اقتصاد وأعمال

ستارمر يستقيل… و«ملك الشمال» أقوى مرشح لخلافته

قال ستارمر إنه أبلغ الملك تشارلز الثالث بقراره الاستقالة فيما ستفتح ترشيحات خلافته في 9 يوليو المقبل.

عشية الذكرى العاشرة لاستفتاء «بريكست»، الذي أدى إلى خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، وإلى تبدُّل غير مسبوق في قياداتها السياسية، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم، استقالته، مؤكداً أنه أبلغ الملك تشارلز الثالث قراره الذي يمهّد الطريق أمام عمدة مانشستر السابق، آندي بورنهام – المعروف باسم مَلِك الشمال – ليصبح سابع رئيس وزراء خلال عقد.وبعد أقل من عامين على اكتساحه الانتخابات العامة وتعهُّده بإنهاء الفوضى، وعد ستارمر بضمان انتقال منظم للسلطة، وطلب من اللجنة التنفيذية لحزب العمال وضع جدول زمني، وفتح الترشيحات في 9 يوليو المقبل لاختيار خلف له قبل انتهاء عطلة البرلمان في سبتمبر.ويعكس توجّه بريطانيا إلى تعيين سابع رئيس وزراء خلال عقد، في معدل هو الأعلى منذ قرنين، حجم الاضطراب السياسي غير المسبوق، الذي بدأ مع استقالة ديفيد كاميرون في صباح اليوم التالي لاستفتاء «بريكست»، وكذلك الغضب الشعبي من إخفاق الحكومات المتعاقبة في تحسين الخدمات ومعالجة القضايا العامة.وفي خطاب مؤثّر، أقرّ ستارمر بأنه فقد الدعم، وسمع جواب «العمال» وقبِله برحابة صدر، مشيراً إلى أنه تسلّم في 2020 من جيريمي كوربن «حزباً مفلساً سياسياً ومالياً»، ونجح في تغيير واقعه، وعمل على استعادة الثقة بالاقتصاد والدفاع والأمن القومي، وعالج أزمة معاداة السامية داخله.وقبل تراجع سلطته بعد الهزيمة القاسية أمام حزب الإصلاح اليميني المتطرف بقيادة نايجل فاراج في مايو، قاد ستارمر تحولاً في توجهات «العمال» نحو الوسط، بعد سنوات من تبنّي سياسات أكثر يسارية في عهد كوربن، وساهم في تعزيز فرصه الانتخابية واستعادة الثقة به، كما سعى إلى تجديد روابط الثقة والصداقة بين بريطانيا وبقية أوروبا، وساهم بشكل فعّال بدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا.وسارع بورنهام، اليساري المعتدل، لإعلان ترشُّحه لزعامة حزب العمال، وبالتالي رئاسة الحكومة، داعياً إلى انتقال «منظّم ومسؤول» للسلطة.وفي مؤشر على نيل «ملك الشمال» مُراده دون منافسة مع شغل مقعده في مجلس العموم اليوم، أبدى وزير الصحة السابق، ويس ستريتينغ، الذي أعلن عزمه السعي لخلافة ستارمر، تأييده لبورنهام.في المقابل، طالب فاراج بإجراء انتخابات عامة مبكرة، مؤكداً أن حزبه المناهض للهجرة، والذي تصدّر استطلاعات الرأي في الأشهر الماضية، «على استعداد لتحقيق تغيير جذري».دولياً، أشادت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، بستارمر، معتبرة أنه «رجل دولة» ساهم خلال عامين فقط في تعزيز أمن أوروبا وأوكرانيا، في وقت قالت موسكو إنها لا تتوقع تغييراً في سياسة لندن تجاهها. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب شنّ أمس هجوماً لاذعاً على ستارمر بنبرة شامتة، مؤكداً أنه سيستقيل، ومعتبراً أنه فشل فشلاً ذريعاً في موضوعين بالغَي الأهمية، الهجرة والطاقة.وفي تفاصيل الخبر:في خطوة وصفها بأنها «مسؤولية تجاه البلاد»، أعلن رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أمس، استقالته من منصبه، ليضاف إلى قائمة طويلة تجعل بريطانيا تودّع سابع رئيس وزراء لها خلال عقد واحد فقط، في مشهد سياسي غير مسبوق يلقي بظلاله الثقيلة على اقتصاد يكافح أصلاً من أجل النمو.وأعلن ستارمر استقالته، في تصريح مباشر أمام مقر رئاسة الحكومة في داونينغ ستريت، مؤكداً أنه أبلغ الملك تشارلز الثالث بقراره، وأن ترشيحات خلافته ستفتح في 9 يوليو المقبل، على أن يكون الزعيم الجديد في منصبه بحلول سبتمبر.وقال ستارمر بصوت متهدج: «كل قرار اتخذته كان من أجل البلاد التي أحبها، ولهذا سأستقيل».وأضاف أن كثيرين اعتبروا أن فوز حزب العمال بأغلبية ساحقة في الانتخابات كان أمراً مستحيلاً، إلّا أن الحزب تمكّن من تغيير هذه المعادلة من خلال استعادة الثقة بالاقتصاد والدفاع والأمن القومي، وإعادة بناء صورة الحزب كقوة سياسية قادرة على الحكم.وأوضح أن هدف حكومته كان بناء «بريطانيا أفضل وأكثر عدالة»، تقوم على الكرامة والاحترام وتوفير الفرص والثروة لجميع المواطنين.الاقتصاد في عامينوأشار إلى أن الاقتصاد البريطاني أصبح أكثر قوة خلال فترة حكمه، مؤكداً أن النمو الاقتصادي تسارع مقارنة بنظرائه، وأن الأجور واصلت الارتفاع، إلى جانب إنهاء مرحلة التقشف وتعزيز حقوق العاملين.كما لفت إلى أن حكومته أقرت أكبر زيادة في الإنفاق الدفاعي منذ الحرب الباردة، وأغلقت فنادق اللجوء، وعززت إجراءات حماية الشباب على وسائل التواصل، وساهمت في إخراج آلاف الأشخاص من دائرة الفقر.وعلى صعيد السياسة الخارجية، أكد ستارمر أن بريطانيا استعادت مكانتها الدولية وعلاقاتها مع الحلفاء والشركاء الأوروبيين، مشدداً على استمرار دعم أوكرانيا والتمسك بالقيم البريطانية.وأوضح أن النقاش داخل حزب العمال لم يعُد يتعلق بقدرة الحزب على تحسين حياة البريطانيين، بل بمدى قدرته شخصياً على قيادة الحزب في الانتخابات المقبلة.
وقال إنه استمع إلى آراء أعضاء الحزب وقواعده، وإن جميع قراراته كانت تستهدف وضع مصلحة البلاد أولاً، الأمر الذي دفعه إلى اتخاذ قرار التنحي.وأضاف أنه سيطلب من اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال إطلاق عملية انتخاب زعيم جديد للحزب خلال الأسابيع المقبلة، بما يضمن اختيار خليفة له قبل عودة البرلمان في سبتمبر.وأكد أنه سيبقى في منصبه رئيساً للوزراء إلى حين استكمال عملية انتقال السلطة وانتخاب الزعيم الجديد، متعهداً ببذل كل ما في وسعه لضمان نجاح الحكومة واستمرارها.ووجّه ستارمر الشكر إلى زملائه وأعضاء حكومته وكل من دعمه خلال السنوات الماضية، كما شكر الشعب البريطاني والعاملين في الخدمة العامة على جهودهم وخدمتهم للبلاد.وأكد في كلمته تأكيد رغبته في تخصيص وقت أكبر لعائلته، قائلاً إنه يتطلع إلى أن يكون زوجاً وأباً أفضل بعد سنوات من العمل السياسي المكثف.ويمهّد رحيل ستارمر الطريق أمام خليفته المرتقب، آندي بورنهام، العمدة السابق الشهير لـ «مانشستر الكبرى»، الذي عاد إلى البرلمان الأسبوع الماضي، بعد فوز كبير في انتخابات فرعية، وبات يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الخيار الأوفر حظّاً لتولي قيادة حزب العمال.سقوط مدوٍ بعد صعود تاريخيويمثّل هذا الرحيل سقوطاً مدوياً لزعيم حقق انتصاراً انتخابياً تاريخياً عام 2024، حين اكتسح حزب العمال الانتخابات بأغلبية ساحقة أنهت 14 عاماً من حكم حزب المحافظين.غير أن شعبيته تآكلت بسرعة قياسية، إذ بلغ معدل تأييده السلبي نحو 57 نقطة بحلول يناير 2026، في مستوى لم يسبق تسجيله إلا في عهد رئيسة الوزراء ليز تراس، الأَقصر أجلاً في التاريخ البريطاني.وقد كانت الضربة القاضية خسارة حزب العمال أكثر من 1000 مقعد في مجالس المحليات خلال انتخابات مايو الماضي، قبل أن تتوالى استقالات الوزراء، وتتصاعد المطالبات داخل الحزب بتحديد موعد للرحيل.على صعيد الأسواق المالية، جاءت ردة الفعل الفورية خافتة نسبياً، إذ تراجع الجنيه الإسترليني ليتداول عند نحو 1.319 دولار، فيما ارتفع عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات قليلاً عند 4.85 بالمئة، وتراجع مؤشر FTSE بشكل طفيف، في إشارة إلى أن الاستقالة لم تفاجئ المستثمرين الذين كانوا يترقبونها منذ أسابيع.بيد أن التحديات الاقتصادية الحقيقية تكمن في المرحلة الانتقالية وما بعدها. فضعف الجنيه يعني ارتفاع أسعار الواردات، واستمرار الضغوط التضخمية، مما يقلص احتمالات خفض بنك إنكلترا لأسعار الفائدة في المدى القريب.أما الخطر الأكبر الذي يترقّبه المستثمرون فيتعلق بسوق السندات الحكومية (Gilts)، إذ حذّر اقتصاديون من أن تغيير القيادة قد يدفع المستثمرين لطلب علاوة مخاطرة أعلى على السندات البريطانية، خصوصاً إذا أفضى إلى سياسة مالية أكثر تساهلاً تثير مخاوف حول الاستدامة المالية وتصعد تكاليف الاقتراض.المرشح القادم يحدد مصير الأسواقوتفيد التحليلات بأن فوز وس ستريتينغ بزعامة الحزب قد يعني استمراراً في الانضباط المالي، وهو ما تفضله الأسواق، في حين قد تعني قيادة بورنهام إنفاقاً عاماً أعلى، وبالتالي استدانة أكبر وعوائد أعلى على السندات.ووصف محللو السوق الوضع الراهن بأنه «مرحلة ترقّب حتى إغلاق باب الترشيحات، لأنّ المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة».وفي سياق أشمل، يجمع المحللون على أن التحدي الاقتصادي الأعمق لا يتعلق بشخص ستارمر أو خليفته، بل بمعضلة بنيوية أشار إليها أحد كبار استراتيجيي السوق بصراحة: «القصة الحقيقية هي أن بريطانيا لم تحقق نمواً كافياً، في حين يواصل الدولار صعوده».«الإسترليني» تحت الضغطوتداول الجنيه الإسترليني قرب أدنى مستوياته هذا العام، مع تصاعد التوقعات بأن يعلن ستارمر جدولاً زمنياً لمغادرة منصبه، وسط ضغوط سياسية متزايدة.وانخفض الإسترليني في بداية التعاملات، مقتربا من أدنى مستوى له في 2026، الذي سجّله في مارس، قبل أن يقلّص خسائره لاحقا. وفي حال كسر مستوى مارس المنخفض، فسيكون ذلك أدنى مستوى للعملة البريطانية منذ نوفمبر الماضي.ويخشى المستثمرون من أن يؤدي أي انتقال محتمل للسلطة إلى آندي بيرنام إلى زيادة الغموض بشأن السياسة المالية البريطانية، خصوصا فيما يتعلق بالإنفاق والاقتراض وإصدارات السندات.

المصدر: جريدة الجريدة الكويتية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى