أخبار عربية وعالمية

لماذا تُهدد “العاصفة السياسية” التي أطاحت برئيس وزراء بريطانيا العديد من قادة الغرب؟

تحليل بقلم ستيفن كولينسون من شبكة CNN(CNN) —  سقط رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ضحيةً لمشكلة تُلازم معظم القادة الغربيين، ألا وهي الفشل في تحقيق التغيير للناخبين الذين فقدوا ثقتهم في قدرة السياسة الحديثة على تحسين حياتهم وجعلها أكثر يسراً.ولم يتمكن ستارمر، الذي أعلن استقالته، الاثنين، بعد عامين فقط من فوزه الساحق في الانتخابات البرلمانية، من تمرير برنامجه في ظل فوضى سياسية، ومؤسسات مُوصومة، واضطرابات اقتصادية حادة.وهو ليس الوحيد، فمن المملكة المتحدة إلى ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة، يستغل القادة غضب الناخبين للوصول إلى السلطة ويعدون بإعادة الازدهار ولكن بمجرد وصولهم إلى السلطة، غالباً ما يجدون صعوبة بالغة في الوفاء بوعودهم، بعد فشلهم في تحرير الأنظمة السياسية الراسخة، والسيطرة على أحزابهم، ومواجهة القوى الاقتصادية العالمية، أو التغلب على ضجيج السياسة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي.ولا تؤدي أوجه قصورهم إلا إلى تفاقم التشكيك الشعبي في السياسة الديمقراطية، مما يغذي الشعبوية على اليمين واليسار، ويخلق فراغات يمكن للمتشددين استغلالها.

وتثير هذه العاصفة السياسية المعاصرة تساؤلاً حول ما إذا كان الجيل الحالي من القادة الغربيين يفتقر إلى مهارة وجاذبية عمالقة الماضي مثل مارغريت تاتشر في بريطانيا، وهيلموت كول في ألمانيا، أو الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان.أم أن هناك ما هو أعمق يحدث؟ هل أصبحت المجتمعات الغربية غير قابلة للحكم؟ وإذا كان القادة عاجزين عن إحداث التغيير الذي وعدوا به، فلماذا ينبغي للناخبين أن يثقوا بالمؤسسات الديمقراطية؟انشغل الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما – الذي يعرف جيداً كيف تُحطم وعود الأمل والتغيير – بهذه التداعيات في عصر الزعماء المستبدين، وذلك في خطابه خلال افتتاح مركزه الرئاسي في شيكاغو الأسبوع الماضي. وأدان أوباما المنتقدين الذين يقولون إن “الدعوات إلى الديمقراطية والمشاركة المدنية مبتذلة وقديمة الطراز ومملة وساذجة”، وذكر أن الحكم الديمقراطي هو السبيل الوحيد الحقيقي للتغيير.لماذا فشل ستارمر؟لكن سقوط قادة مثل ستارمر يُشكك في صحة فرضية أوباما، لقد وعد بالكفاءة بعد سنوات من الاضطرابات التي شهدتها بريطانيا عقب التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي، إلا أن سلسلة من التراجعات السياسية، والصراعات الأيديولوجية داخل حزب العمال، وعجزه الواضح عن صياغة رؤية سياسية متماسكة، أدت إلى تراجع شعبيته. وأعاقه ضعف النمو الاقتصادي في بريطانيا، وما ترتب عليه من نقص في السيولة اللازمة لمواجهة أزمات الرعاية الصحية والخدمات العامة، أو لإعادة بناء جيش مُنهك. ورغم الجهود المبذولة لحماية المواطنين من ارتفاع تكاليف الطاقة، لم يتمكن ستارمر في نهاية المطاف من التغلب على مخاوف غلاء المعيشة، بما في ذلك ارتفاع أسعار الغذاء والسكن.وبدلاً من إنهاء الفوضى السياسية، أصبح ستارمر أحد أسبابها الرئيسية. فبريطانيا، التي كانت تُعتبر حصناً للاستقرار السياسي، تنتظر الآن رئيس وزرائها السادس في غضون عقد من الزمن بعد تصويتها على الخروج من الاتحاد الأوروبي، بعد أن شهدت 4 رؤساء وزراء فقط في ربع القرن السابق.إن التدهور السياسي متأصل في الديمقراطيات الغربية الأخرى. وسيغادر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منصبه العام المقبل بعد فشله في تنفيذ برنامجه الإصلاحي، الذي وعد به عند انتخابه لأول مرة 2017، مُجسدًا رؤية أوباما الطموحة، فلم يستطع ماكرون التغلب على نفوذ النقابات العمالية وهيمنة الدولة، وشهدت ولايتاه اضطرابات شعبية وتعاقب رؤساء وزراء فاشلين، كما أن افتقاره للحس السياسي جعله يُوصم بالنخبوية. وبدلًا من إنقاذ الوسط السياسي، قد يُدمره، إذ يمتلك حزب التجمع الوطني اليميني المتشدد أفضل فرصة له حتى الآن للفوز بالسلطة بعد الانتخابات الرئاسية العام المقبل.وكان كل من ستارمر وماكرون مُقيدين بعجزهما عن حشد تأييد الشعب لرؤيتهما أثناء توليهما الحكم، وهما ليسا الوحيدين اللذين يروجان لقصة جذابة في موسم الانتخابات، ثم يفقدان التركيز على جوهرها بعد توليهما السلطة.خذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مثالًا، الذي فشل في الاستماع إلى الرسالة التي وجهها الناخبون الأمريكيون مرارًا في السنوات الأخيرة، وهي أنهم لا يستطيعون تغطية نفقاتهم الأساسية رغم قوة الاقتصاد بشكل عام.وترامب، الذي غالبًا ما يشتت انتباهه رغبته في الانتقام من خصومه، يهاجم فكرة “القدرة على تحمل التكاليف” باعتبارها خدعة من الديمقراطيين. وتجلى لامبالاته بوضوح الأسبوع الماضي عندما أشاد بطائرته الرئاسية الجديدة “إير فورس ون” التي وصلت إلى “مستوى من الفخامة لم يسبق له مثيل”. ولا عجب إذن أن معدلات تأييد ترامب تقترب من أدنى مستوياتها على الإطلاق، وهو ما تفاقم بسبب حربه غير الشعبية على إيران، وأن الديمقراطيين يأملون في تحقيق مكاسب كبيرة في انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.كما يُلاحظ تأثير لعنة السلطة الحالية في ألمانيا، حيث يعاني المستشار المحافظ فريدريش ميرز من تدني شعبيته بشكل كبير بعد عام واحد فقط من توليه منصبه.ويكافح ميرز لاستعادة النمو الاقتصادي المرتفع الذي اعتاد عليه الألمان لفترة طويلة، مما يفتح المجال أمام حزب البديل من أجل ألمانيا اليميني المتشدد المناهض للهجرة. وفي أستراليا، تذوق رئيس الوزراء أنتوني ألبانيز، المنتمي ليسار الوسط، مرارة السلطة مبكرًا، حيث حقق نجاحًا كبيرًا وفاز بإعادة انتخابه العام الماضي لكن نجمه يخفت وسط ضغوط الإسكان وتكاليف المعيشة.في المقابل، خالفت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، هذا التوجه حتى الآن، على الرغم من ادعاء ترامب خلال الخلاف الذي اندلع في قمة مجموعة السبع بأن “شعبيتها تتراجع”، حيث حققت، خلال ما يقرب من 4 سنوات في السلطة، استمرارية افتقدتها السياسة الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية.ويواجه زعيمان من دول صناعية أولى اختباراتهما، حيث فازت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، بأغلبية ساحقة العام الماضي. ورغم أنها تواجه بعض التحديات في أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية، إلا أنها لا تزال قوة محلية مهيمنة.وأظهر رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، براعة سياسية داخلية، حيث حقق فوزًا ساحقًا في الانتخابات العام الماضي على أساس برنامج مناهض لترامب، بينما كان يحشد “القوى المتوسطة” على الساحة الدولية لمواجهة الولايات المتحدة.المهمة الجسيمة التي تواجه رئيس الوزراء البريطاني القادمتنذر الاضطرابات التي تشهدها الديمقراطيات الصناعية بمستقبل قاتم لرئيس الوزراء البريطاني القادم، والذي يُرجّح أن يكون أندي بيرنهام الذي كان يشغل منصب عمدة مانشستر الكبرى مؤخرًا، و فاز في انتخابات فرعية الأسبوع الماضي، مما سيعيده إلى البرلمان بعد فترة سابقة قضاها فيه.وتتشابه قصة بورنهام مع قصة كارني، إذ لم يكن وصوله إلى السلطة ممكنًا إلا بسبب انعدام ثقة الجمهور في القادة الحاليين، فقد كان كلا الرجلين خارج البرلمان، لكنهما قدّما نموذجًا للقيادة والفكر السياسي الجديد، مما أقنع حزبيهما بالتخلي عن رؤساء الوزراء الحاليين. وأثمرت جهود كارني الفعّالة في إقصاء زميله الليبرالي، رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، عندما وصل إلى السلطة بمفرده. وأمام بورنهام 3 سنوات كحد أقصى لإنقاذ حزب العمال، في ظل التوقعات الواسعة بفوز حزب الإصلاح اليميني الشعبوي، الذي يتزعمه نايجل فاراج، حليف ترامب، في الانتخابات العامة المقبلة 2029.وكان كارني وبورنهام شخصيتين بارزتين، بصفتهما مصرفيين مركزيين سابقين وعمدة لمدينة كبرى لكن نجاحهما يعود إلى كونهما خارج نطاق السياسة الوطنية. ولذلك، قد يكونان في وضع أفضل لتجديد الديمقراطية الحديثة. ويجسد صعودهما نظرية طرحها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير مؤخرًا في مقال له، حيث كتب أن تحدي الديمقراطية الحديثة يكمن في “القدرة على إنجاز الأمور الكبيرة، ووجود قادة لا يديرون المشاكل فحسب، بل يحلونها”، وأضاف: “قد يفهم سياسات المستقبل بشكل أفضل أولئك الموجودون حاليًا خارج السياسة”.ويقدم بورنهام نفسه على أنه من هذا النوع من الشخصيات، فرغم كونه عضوًا سابقًا في حكومة بلير، وحصوله على تعليم من جامعة كامبريدج، إلا أن زيه المعتاد، المتمثل في قميص أسود بدون ربطة عنق، يجعله يُمثل تحديًا للنخبة الحاكمة في لندن، وهو من الشمال، مهد القوة الصناعية البريطانية التي أضعفتها العولمة وبالمقارنة مع الولايات المتحدة، يبدو الأمر كما لو أن عمدة مدينة مثل ديترويت أصبح فجأة رئيسًا.ولكن على بورنهام أن يعيد الأمل إلى السياسة، ثم عليه أن يتصدى لمهمة تواجه معظم قادة يسار الوسط في الغرب، ألا وهي استعادة أصوات ناخبي الطبقة العاملة الذين انضموا إلى أحزاب مثل حزب الإصلاح أو حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” التي يتبناها ترامب.وقال بورنهام، الخميس، بعد فوزه الساحق على مرشح حزب الإصلاح، مُجسدًا بذلك جوهر مهمته على الساحة الوطنية: “الجميع يعلم أن السياسة لا تجدي نفعًا”، وأضاف: “الليلة قد تكون، مجرد احتمال، نقطة تحول”، واعدًا بإعادة “شيء فقدناه – الأمل – الأمل في المستقبل”.ووعد كل زعيم غربي حالي تقريبًا بشيء مماثل في الماضي، وما لم يتمكن بورنهام من إعادة الثقة في السياسة لإحداث التغيير وتحسين أوضاع الناخبين، فسيكون مصيره كمصيرهم.وسيؤدي فشله إلى إثارة مخاوف جديدة بشأن مستقبل الديمقراطية الغربية نفسها.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى