
تحليل بقلم ستيفن كولينسون من شبكة CNN(CNN)– قد تكون معدلات تأييد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب آخذة في التراجع، لكن إحدى أبرز مهاراته السياسية لا تزال حادة كما كانت دائمًا: اختيار معركة مع خصم يصوره على أنه يجسد الحزب الديمقراطي بأكمله.وهنا يبرز عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني.فلم تمض سوى أيام حتى سارع ترامب إلى مهاجمة رفض ممداني التراجع عن تعهد انتخابي يقضي باعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحقه، إذا زار مدينة نيويورك.وقال ترامب، الاثنين، عبر منصة “تروث سوشيال”، التي يفضل استخدامها لإشعال سجالات سياسية وثقافية: “لن يتم اعتقال بنيامين نتنياهو بأي شكل أو صورة أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية”.وأثار رد الرئيس احتمال نشوب مواجهة بين السلطة الفيدرالية والمدينة التي كان يطلق عليها يومًا “موطنه”.لكن أهمية هذه القضية تتجاوز ذلك بكثير.فهي تمثل أيضًا مثالًا كلاسيكيًا على عادة ترامب في استغلال قضية أو شخصية معينة لإشعال جدل سياسي أوسع. فهو لم يكن يدافع فقط عن حليفه نتنياهو، وربما يسعى أيضًا إلى ترميم علاقته مع زعيم شهدت علاقته به توترات مؤخرًا، بل كان كذلك يمهد الطريق لروايته السياسية التي يعتزم الاعتماد عليها في انتخابات التجديد النصفي، والقائمة على تصوير الحزب الديمقراطي باعتباره حزبًا أصبح أكثر تطرفًا.وفي المقابل، قد يجد كل من ترامب وممداني مصلحة في خوض مواجهة حول نتنياهو، وهي قضية تتجاوز في أبعادها الداخلية مجرد خلاف في السياسة الخارجية بشأن سقوط المدنيين خلال الهجوم الإسرائيلي على غزة، الذي جاء عقب هجمات حركة حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.لذلك، فإن السؤال عما إذا كان ممداني يستطيع بالفعل اعتقال نتنياهو ليس هو الأهم. فالمسألة القانونية معقدة، إذ إن الولايات المتحدة لم تصادق على نظام روما الأساسي الذي يُلزم الدول الأعضاء باعتقال المطلوبين بموجب أوامر المحكمة الجنائية الدولية. كما أن واشنطن دأبت منذ سنوات على السماح حتى لقادة دول تعتبرها خصومًا، مثل إيران وكوبا، بزيارة نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.ومن ثم، فهذه واحدة من تلك القضايا التي يصبح فيها خوض المعركة أكثر أهمية من الفوز بها.
كما أنها تعكس الكيفية التي تتغير بها السياسة الأمريكية، مبتعدة عن الدعم التاريخي، الذي كان شبه إجماعي، لإسرائيل، وتعكس أيضًا التحول الأوسع داخل الحزب الديمقراطي.كيف تغيرت نظرة الديمقراطيين إلى إسرائيل؟ينتمي ممداني إلى جيل جديد من الديمقراطيين الذين يتبنون خطابًا حادًا مناهضًا لإسرائيل، وهو خطاب يحظى بشعبية واسعة بين القاعدة الليبرالية للحزب.وتمسكه بتعهده الانتخابي باعتقال نتنياهو يعكس حرصه على الحفاظ على الرصيد السياسي الذي حققه خلال حملته الانتخابية، وهو رصيد يُعد ضروريًا لتنفيذ برنامجه التقدمي مع انتقاله من موقع السياسي المتمرد القادم من خارج المؤسسة إلى موقع المسؤول الحكومي.وأصبحت مواقف ممداني من إسرائيل بمثابة قناعة راسخة لدى كثير من الديمقراطيين الشباب والتقدميين، الذين يرون أن نتنياهو ارتكب إبادة جماعية بحق عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين.وقال ممداني، في مقابلة مع بودكاست لصحيفة “نيويورك تايمز”، وهي المقابلة نفسها التي كشف فيها أنه يتشاور مع مستشاريه القانونيين بشأن قضية نتنياهو: “مكانه لاهاي. إنه مجرم حرب وجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية اتهامات”، مضيفًا أن هذا الرأي “يتبناه كثيرون”.وترفض إسرائيل بشدة الاتهامات بارتكاب إبادة جماعية، وتؤكد أنها تمارس حقها المشروع في الدفاع عن النفس بعد الهجوم الذي شنته حركة حماس، وهي منظمة فلسطينية مسلحة تتخذ من غزة مقرًا لها، على مدنيين إسرائيليين. كما تُحمّل إسرائيل حماس مسؤولية سقوط الضحايا الفلسطينيين، متهمة إياها باستخدام مناطق مدنية لإخفاء أهداف عسكرية. وقد اعتبرت كل من إدارتي الرئيس السابق جو بايدن والرئيس ترامب أن ما قامت به إسرائيل لا يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.لكن عددًا من الديمقراطيين البارزين باتوا يوسعون خطابهم المناهض لإسرائيل ليتجاوز حرب غزة، ليربطوه بأهم قضية في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، وهي القدرة على تحمل تكاليف المعيشة بالنسبة للطبقة الوسطى.وقال عبد السيد، المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، خلال مقابلة مع مذيعة CNN كاسي هانت في الثاني من يوليو/تموز: “أريد أن تُنفق أموال الضرائب التي أدفعها هنا في ميشيغان على المدارس والرعاية الصحية والاستثمار في ميشيغان، بدلًا من إرسالها إلى الخارج لقتل الفلسطينيين بسبب الإبادة الجماعية ونظام الفصل العنصري”.كيف قد تتحول العلاقة الودية إلى جفاء؟قد تمثل المواجهة المفتوحة بين ترامب وممداني بشأن نتنياهو أحدث حلقات العلاقة المتقلبة بين الرجلين.
فقد بدا أن العلاقة بينهما اتسمت في مرحلة ما بالود، خلال لقاء جمعهما في المكتب البيضاوي العام الماضي.وقال ترامب، في يناير/كانون الثاني، لمقدم البرامج الإذاعية المحافظ سيد روزنبرغ: “أنسجم معه بشكل جيد جدًا. عقدنا اجتماعات جيدة وأحاديث جيدة، وهو كما هو”.وعاد عمدة نيويورك إلى المكتب البيضاوي مرة أخرى في فبراير/شباط، حاملاً معه لوحات توضيحية لدعم مطلبه بالحصول على استثمارات فيدرالية ضخمة في قطاع الإسكان بالمدينة، في محاولة لإقناع الرئيس، الذي سبق أن عمل مطورًا عقاريًا.ورغم الاختلافات الكبيرة بين الرجلين في العمر والأيديولوجيا والطباع، فإنهما يتشابهان في عدد من السمات الأساسية؛ فكلاهما يسعى إلى إرضاء قاعدته الشعبية عبر سياسات شعبوية، ويتمتع بقدرات عالية في التواصل السياسي.ومن مصلحة ممداني الدخول في مواجهة مع ترامب، لأنها تعزز مكانته كشخصية سياسية ذات حضور وطني.أما ترامب، فهو دائمًا يبحث عن زاوية جديدة لخوض معركة سياسية.ورغم أن حديث ترامب عن احتمال المواجهة مع ممداني بشأن نتنياهو جاء بصيغة أقل حدة مقارنة بمنشوراته الأخرى على “تروث سوشيال”، فإنه يفتح الباب أمام استخدام الدور المتزايد لنيويورك في التحول الديمقراطي تجاه إسرائيل كدليل إضافي في رواية البيت الأبيض بأن الحزب الديمقراطي أصبح أكثر تطرفًا من أن يحظى بثقة كثير من الأمريكيين.وقد يتحول ممداني، بالنسبة إلى ترامب، إلى رمز يجسد الحزب الديمقراطي بأكمله مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.وليست هذه المرة الأولى التي يعتمد فيها ترامب هذا الأسلوب. فقد سبق أن صوّر النائب عن نيويورك ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز، وهي اشتراكية ديمقراطية أيضًا، باعتبارها النموذج الحقيقي للحزب، كما وصف السيناتور المستقل عن ولاية فيرمونت بيرني ساندرز، الذي خاض سابقًا الانتخابات التمهيدية الرئاسية للحزب الديمقراطي، بـ”المجنون”.ويمتلك الديمقراطيون فرصة حقيقية لتحقيق مكاسب في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن الأمريكيين فقدوا ثقتهم في إدارة ترامب للاقتصاد، ويحملونه مسؤولية الإخفاق في الوفاء بوعده الأساسي بخفض الأسعار.لكن إذا نجح ترامب في تحويل النقاش إلى صراعات أيديولوجية أو ثقافية، فقد يمنع الديمقراطيين من استقطاب مزيد من الناخبين المحافظين من الطبقة العاملة البيضاء الذين انضموا إلى ائتلافه الانتخابي في عام 2024.وقبل عامين، نجح ترامب في استغلال قضايا مثل الهجرة، ومشاركة الرياضيين المتحولين جنسيًا في المنافسات الرياضية، والجريمة، لتصوير الديمقراطيين على أنهم بعيدون عن اهتمامات الأمريكيين.وقد تكون إسرائيل هي الورقة التالية؛ فإقحام إسرائيل في هذه الحملة يساعد ترامب على حشد الحماس بين المحافظين الإنجيليين الداعمين لإسرائيل، والجمهوريين التقليديين الذين ربما فقدوا حماسهم لخطابه، والناخبين المتأرجحين الذين قد يشعرون براحة أكبر تجاه السياسات الخارجية الأمريكية التقليدية.كما يتجه الديمقراطيون بالفعل نحو انقسام حاد بشأن إسرائيل، حيث يحذّر الأعضاء الأكثر اعتدالًا من أن بعض الخطابات المناهضة لنتنياهو تتحول إلى معاداة السامية. وقد يشعر ترامب حتى بأنه قادر على استمالة بعض الناخبين اليهود الذين دأبوا على التصويت لصالح الديمقراطيين.ويشعر الديمقراطيون من التيار الوسطي بالقلق من أن حزبهم يعرض حليفًا رئيسيًا للخطر. وقال سيناتور ولاية بنسلفانيا الديمقراطي جون فيترمان لمذيع CNN مانو راجو الأسبوع الماضي: “انظروا إلى نوعية الأشخاص الذين انتخبناهم في الانتخابات التمهيدية، فهم ليسوا مجرد مؤيدين للفلسطينيين، بل مناهضون لإسرائيل بشكل حاد للغاية”.ويجسد التنافس بين عبد السيد ومنافسته في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، النائبة هايلي ستيفنز، هذا الانقسام داخل الحزب.ففي حين تعترف ستيفنز بالغضب الذي يشعر به كثير من الناخبين الديمقراطيين تجاه نتنياهو، فإنها تتبنى موقفًا قد يكون أكثر قبولًا في انتخابات عامة أمام منافس جمهوري.وقالت خلال مناظرة جرت في وقت سابق من هذا الشهر: “أستطيع القول إن لإسرائيل حقًا في الوجود بسلام إلى جانب الشعب الفلسطيني وفي غزة. ومن الواضح تمامًا أن السيد نتنياهو لم يجعلنا أكثر أمنًا، ولم يُقربنا من تحقيق السلام، بل عرّض اليهود هنا في الولايات المتحدة وحول العالم لمزيد من الخطر”.ولا يقتصر الانقسام الذي كشفته هذه المناظرة على ولاية ميشيغان، بل يمتد إلى أنحاء الولايات المتحدة.وفي الوقت نفسه، يتراجع أيضًا دعم إسرائيل حتى بين بعض الأجنحة الأكثر قومية داخل الحزب الجمهوري.ومن المرجح أن تمهد هذه القضية الطريق لأحد أهم محاور المنافسة داخل الحزبين خلال الانتخابات التمهيدية الرئاسية المرتقبة عام 2028.لكن، في الوقت الراهن، تبقى الانقسامات الأكثر وضوحًا بشأن الحرب في غزة داخل الحزب الديمقراطي، وهو ما يمنح ترامب كل الأسباب لاستغلال شخصية مثل ممداني لمحاولة تعميق هذه الانقسامات إلى أقصى حد.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية