
(CNN)– وثّقت كاميرا المراقبة الموجهة نحو مدخل المقر الرئيسي للقناة 12 في تل أبيب الهجوم بكل ما فيه من وحشية صارخة؛ إذ ركض رجل ملثم نحو الباب الزجاجي للقناة التلفزيونية الأكثر مشاهدة في إسرائيل وحطمه باستخدام طوبة.وجاء في رسالة مجهولة المصدر تُركت في موقع الحادث، وذكرت أسماء العشرات من الشخصيات العامة: “في المرة المقبلة، ستُصوَّب الطوبة نحو رؤوسكم”، وتضمنت الرسالة تحذيراً مفاده: “في النهاية، سيلقى أحدهم حتفه”.يُعد هجوم يوم الثلاثاء ثالث حادث تخريب على الأقل يستهدف مؤسسة إعلامية إسرائيلية في غضون واحد، وهو الأحدث في سلسلة متصاعدة من التهديدات وكتابات الجدران وأعمال الترهيب الموجهة ضد الصحفيين، والتي تتكشف فصولها قبل أقل من ثلاثة أ من موعد الانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الأول.
وقال داني كوشمارو، المذيع الرئيسي في القناة 12، في وقت سابق من يوليو/تموز: “من يلقي حجراً على باب زجاجي، سيلقيه على رأس إنسان”، وحذّر قائلاً: “سيلقى أحدهم حتفه”.وتشير منظمات الصحفيين وقادة المعارضة والمؤسسات الإعلامية بأصابع الاتهام مباشرة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفائه السياسيين، الذين دأبوا على اتهام وسائل الإعلام السائدة بالتحيز، بل وحتى بمساعدة أعداء إسرائيل.ويرى المنتقدون أن هذا الخطاب العدائي ساهم في تهيئة الظروف للعنف، سواء لترهيب المراسلين قبيل التصويت وهو ما يثير مخاوفهم للتمهيد للطعن في النتائج في حال خسر نتنياهو الانتخابات.وتشير التوقعات إلى أن انتخابات أكتوبر ستكون واحدة من أكثر الانتخابات إثارة للجدل في إسرائيل منذ سنوات؛ إذ تُجرى على وقع الحرب التي اندلعت عقب هجمات 7 أكتوبر 2023، وفي ظل تساؤلات عما إذا كان بإمكان نتنياهو -صاحب أطول فترة ولاية في رئاسة الوزراء في إسرائيل- الحفاظ على قبضته على السلطة.وفي وقت سابق من يوليو، حطم مهاجمون ملثمون مداخل كل من القناة 12 وصحيفة “هآرتس” (ذات التوجه اليساري) في حادثين منفصلين. وفي مايو/أيار ويونيو/حزيران، ظهرت كتابات تهديد على الجدران بالقرب من مكاتب القناة 12 وخارج منزل صحفي بارز، تحذرهم بأنهم “سيدفعون الثمن من دماء أحبائهم”. كما ظهرت في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول عبارات رُشّت على الجدران بالقرب من استوديوهات القناة 13 تقول: “دماء الخونة لم تُبث بعد”. وإلى جانب أعمال التخريب، واجه صحفيون معروفون بانتقادهم لنتنياهو احتجاجات أمام منازلهم، ونُصبت لوحات إعلانية تحمل صورهم وتنتقد عملهم، كما صُوِّرَت مواجهات في الشوارع معهم ونُشرت من قبل نشطاء موالين للحكومة.وحظي أحد هؤلاء النشطاء -وهو مردخاي ديفيد، البالغ من العمر 26 عاماً والمعروف بمواجهاته للصحفيين وشخصيات المعارضة- بدعم سابق من أعضاء بارزين في الائتلاف الحاكم، مثل وزير الأمن القومي اليميني المتشدد إيتمار بن غفير.ويتمثل القاسم المشترك في العديد من التهديدات -بما في ذلك الرسالة التي تُركت عند باب “القناة 12”- في المطالبة باعتذار يتعلق بالتغطية الإعلامية لقضية “سدي تيمان”، التي اتُهم فيها جنود احتياط إسرائيليون بارتكاب انتهاكات جنسية بحق معتقل فلسطيني في مركز احتجاز عسكري.وكانت “القناة 12” بثت لقطات مسربة تتعلق بالقضية في أغسطس/آب 2024. وأدت تلك التغطية إلى توجيه اتهامات جنائية لعدد من جنود الاحتياط، في حين أسفر تسريب اللقطات في نهاية المطاف عن استقالة كبير المستشارين القانونيين في الجيش.وصوّر سياسيون ومعلقون يمينيون -لا سيما في “القناة 14” الموالية لنتنياهو- القضية على أنها “افتراء” ضد الجيش. وتحت ضغط من هذه الشخصيات اليمينية، أُغلقت القضية من قبل المدعي العام العسكري الجديد، وذلك بسبب ثغرات في الأدلة وإجراءات التحقيق.دماء الصحفيين “ليست مستباحة”حمّلت “القناة 12” -وهي الشبكة الإخبارية الأكثر شعبية في إسرائيل- نتنياهو وحكومته المسؤولية عن هذه الهجمات، وقالت الشبكة في بيان، الثلاثاء: “دماء صحفيي القناة 12 ليست مستباحة”.وخارج استوديو القناة، صرح يائير غولان -زعيم حزب “الديمقراطيين” الذي ورد اسمه في الرسالة المجهولة- بأن الهجوم “انطلق مباشرة من مكتب رئيس الوزراء”.وتواصلت شبكة CNN مع مكتب رئيس الوزراء للحصول على تعليق، علماً بأنه لا توجد أدلة تشير إلى تورط مكتب نتنياهو في الحادث.واتهم غادي آيزنكوت -الذي يُنظر إليه باعتباره منافساً بارزاً لنتنياهو في الانتخابات المقبلة- الحكومة بشن “حملة تحريض ممنهجة وغير منضبطة ضد الصحفيين” كما وصف رئيس الوزراء السابق يائير لابيد الهجوم بأنه محاولة “لتقويض الانتخابات والتمهيد لعدم قبول الهزيمة فيها”. وقالت نقابة الصحفيين في إسرائيل إن الهجوم “لم يقع في فراغ”، محذرةً من أنه عندما يُصنَّف الصحفيون كـ “أعداء”، فإن “هناك من سيترجم هذا السم إلى أفعال”، كما أشارت النقابة إلى دلالة التوقيت – قبل 3 أشهر من الانتخابات – وذكرت أنها تتواصل مع مفوض الشرطة بشأن توفير حماية إضافية للصحفيين.وفي الخميس، ألقت الشرطة القبض على مشتبه به في الحادث. وصرح مصدر في الشرطة لـ CNN بأن جهاز الأمن العام (الشاباك) يشارك أيضاً في التحقيق.ولم يقم نتنياهو ومعظم حلفائه بعد بإدانة العنف علناً. أما أولئك الذين أدانوه، فقد أرفقوا إدانتهم بانتقادات مستمرة لشبكات البث الرئيسية.وانتقد نير بركات، وهو وزير من حزب “الليكود” بزعامة نتنياهو، أعمال التخريب لكنه قال إن القناة 12 “ألحقت الضرر” بالجنود الإسرائيليين، وحث الجمهور على تغيير القناة واللجوء إلى الإجراءات القانونية بدلاً من ذلك. كما غرد عميحاي إلياهو، وهو وزير من حزب “عوتسما يهوديت” اليميني المتشدد، بأنه يعارض العنف، لكنه أضاف أن الصحفيين والمسؤولين القانونيين المتورطين في قضية “سدي تيمان” يجب أن يواجهوا المحاكمة بأنفسهم.وتأتي هذه التوترات لتفاقم شرخاً قائماً منذ فترة طويلة بين نتنياهو ووسائل الإعلام الإسرائيلية الرئيسية، فهو لم يجرِ مقابلات مع أي من القنوات الثلاث الرئيسية منذ أكثر من أربع سنوات، مكتفياً بالظهور على القناة 14، وهي محطة موالية لقاعدته السياسية، حيث يصف مقدمو البرامج فيها القناة 12 ووسائل الإعلام الرئيسية مراراً وتكراراً بأنها “معادية وغير وطنية”.وصرح أحد المعلقين مؤخراً بأن وسائل إعلام مثل القناة 12 “لا تنتمي إلى إسرائيل”. كما ضغط حلفاء رئيس الوزراء في القناة 14 علناً على ديفيد زيني، رئيس جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، لاستجواب صحفيين من القناة 12 بشأن تسريبات مزعومة حول توقيت الضربة التي شُنت على إيران في 28 فبراير/شباط.تراجع تصنيفات حرية الصحافةينعكس التراجع المستمر في حرية الصحافة في إسرائيل على تصنيفاتها الدولية.ففي مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026 الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، احتلت إسرائيل المرتبة 116 من أصل 180 دولة، متراجعةً عن المرتبة 112 في العام السابق، والمرتبة 101 في 2024، والمرتبة 86 في 2022. وتعزو المنظمة هذا التراجع في الغالب إلى القيود المفروضة في زمن الحرب، وتوسيع نطاق الرقابة الأمنية، والقيود المفروضة على تغطية القضايا الفلسطينية، بما في ذلك الحظر المستمر على دخول الصحفيين الأجانب بشكل مستقل إلى قطاع غزة منذ اندلاع حرب 2023.وبعيداً عن الخطابات، تحركت حكومة نتنياهو لإعادة تشكيل المشهد التنظيمي للإعلام؛ إذ يقضي قانون جديد للبث باستبدال هيئة تنظيم الإعلام المستقلة في إسرائيل بأشخاص معينين سياسياً، مُنحوا صلاحيات فرض غرامات وعقوبات على المؤسسات الإخبارية، وفي الوقت نفسه، خففت الحكومة القيود المالية والتنظيمية المفروضة على القناة 14.وتصف الحكومة هذا التغيير الجذري بأنه “إصلاح للسوق يهدف إلى إلغاء القواعد البالية وتشجيع المنافسة”؛ فيما ترى المؤسسات الإعلامية والمعارضة أن هذا القانون “يمنح السياسيين سلطة التأثير على المحتوى التحريري”.وتقدمت كبرى هيئات البث والمشرعون من المعارضة ومجموعات شعبية بطلبات إلى محكمة العدل العليا لإلغاء القانون، بدعوى أنه يلحق ضرراً “غير مسبوق” بحرية الصحافة. وفي هذا السياق، أصدرت المحكمة أمراً مؤقتاً يمنع سريان الأحكام الفورية للقانون لحين البت في القضية.غير أن قراراً قضائياً يهدف إلى حماية حرية الصحافة لن يُجدي نفعاً يُذكر في إصلاح العلاقة المتصدعة بين الحكومة ووسائل الإعلام، أو في تبديد مخاوف الصحفيين الإسرائيليين إزاء تصاعد وتيرة العنف.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية