
(CNN)– في أعقاب استقالة وزير الجيش الأمريكي دان دريسكول، الذي أُطلق عليه لقب “رجل المسيّرات” لاهتمامه بالطائرات المسيّرة، أفادت مصادر متعددة لشبكة CNN بأنها تعتقد أن وزير الدفاع بيت هيغسيث يضر بجهود الجيش للتكيف مع ساحة المعركة الحديثة؛ إذ ينصب تركيزه على “الحروب الثقافية” وإبراز صورته الخاصة لـ “المقاتل الأمريكي”، فضلاً عن إقصائه للقادة الذين لا يتماشون مع رؤيته.
وذكر مصدر مطلع أن دريسكول، عند تقديم استقالته، أثار “مخاوف تتعلق بإدارة الوزارة فيما يخص تحول الجيش وجاهزيته، وعرقلة هيغسيث لتلك الجهود تحديداً من خلال إقالة الجنرالات المسؤولين عنها”.
وكان دريسكول أعلن، الثلاثاء، أن الأربعاء سيكون “آخر يوم عمل كامل له في المنصب”.
وأيدت مصادر متعددة المخاوف التي طرحها دريسكول، ومفادها أن هيغسيث يضر بجهود تحديث الجيش وتكييفه مع بيئة المعارك في القرن الحادي والعشرين- حيث تزداد أهمية الحروب التي تعتمد على الطائرات المسيرة- وذلك عبر إقالة أو إبعاد القادة الذين كانوا يقودون تلك الجهود.
وقال مسؤول عسكري كبير سابق في الجيش: “من الضروري وجود قادة رئيسيين يفهمون التكنولوجيا ويتمتعون بالعقلية المناسبة للتعامل مع قطاع الصناعة وتحويل ذلك إلى قدرات فعلية داخل التشكيلات العسكرية، وعندما تقوم بإقالة هؤلاء الأشخاص لأسباب تعسفية، فإن ذلك يخلق حالة من الارتباك وفراغاً قيادياً، فالجيش يمر بمرحلة من الاضطراب حالياً”.
وفي أحاديث خاصة، أقر مسؤولون عسكريون أمريكيون كبار بأنهم تعرضوا لما يمكن وصفه بضغوط سياسية خلال فترة تولي هيغسيث منصبه، لا سيما عندما كان يمنح الأولوية لقضايا “الحروب الثقافية”، كما أعربوا عن قلقهم إزاء مساعي الوزير الأخيرة لإقالة أو إبعاد قادة عسكريين ومدنيين.
وذكر مسؤول دفاعي في أوروبا لـ CNN أنه على الرغم من حديث هيغسيث عن إصلاحات تكنولوجية وإصداره سابقاً توجيهات بشأن الأنظمة غير المأهولة، إلا أن الواقع الملموس يظهر وزيراً وقيادة في وزارة الدفاع (البنتاغون) يركزون على القضايا الثقافية أكثر من تركيزهم على التحديث.
وقال المسؤول: “الأمر متناقض؛ فصحيح أنه أصدر مذكرة تؤكد أهمية هذا الأمر، لكنه… يتحدث عن العضلات، وعن رجال يرتدون فساتين، وعن هرمون التستوستيرون. نحن لا نرى أي تغيير على ذلك الصعيد”.
ومن جانبه، وصف شون بارنيل، المتحدث الرئيسي باسم البنتاغون، الادعاء بأن هيغسيث لا يركز على التحديث بأنه “اختلاق محض”، مؤكداً أن “الوزارة بأكملها موحدة” خلف رؤيته.
وقال بارنيل: ” الوزير هيغسيث كان قائداً أحدث تحولاً جذرياً في وزارة الحرب، وبناءً على توجيهات الرئيس (دونالد) ترامب، دشن حقبة جديدة من (السلام من خلال القوة) لقد عادت المعايير ومبدأ الجدارة، وأصبحت ترسانتنا أقوى من أي وقت مضى، كما وصلت الروح المعنوية ومعدلات التجنيد في جميع فروع القوات المسلحة إلى مستويات قياسية، وقلص الوزير هيغسيث البيروقراطية، وأطلق العنان للابتكار، ودعم مقاتلينا في كل خطوة على الطريق”.
وذكر دريسكول، في منشور له على منصة “إكس”، الثلاثاء، أن الخدمة تحت قيادة ترامب وهيغسيث كانت بمثابة “شرف العمر”، مشيراً إلى أن الجيش “ما كان ليحقق التقدم الذي أحرزناه لولا دعم الوزير هيغسيث”.
ويضم الجيش حالياً خمسة جنرالات برتبة “أربع نجوم” في الخدمة الفعلية.
ورغم أن هيغسيث ذكر في وقت مبكر من ولايته بأنه سيسعى لتقليص عدد الجنرالات والأدميرالات من هذه الرتبة العليا وهو توجه أيده آخرون تاريخياً إلا أن مصادر وخبراء ذكروا لـCNNأن عمليات الإقالة هذه لا تبدو نابعة من استراتيجية شاملة.
ومع استقالة دريسكول، سيصبح الجيش قريباً بلا رئيس أركان أو وزير مُثبّت في منصبه رسمياً، مما يثير مخاوف بشأن مستقبل هذا الفرع العسكري في ظل استمرار الحرب على إيران وبقاء تحديات كبيرة تتعلق بالتحديث.
من جانبه، أبدى مايكل أوهانلون، الباحث البارز في معهد “بروكينغز”، تفاؤله بوجود قاعدة واسعة من الكفاءات في الجيش، وبأن المستويات العليا في البنتاغون تضم عموماً أشخاصاً يعملون بجدية لتحديث المؤسسة العسكرية؛ إلا أنه رأى أن هيغسيث يتسبب في “عرقلة المسار” و”فقدان الزخم” من خلال إبعاد ضباط ناجحين ويحظون باحترام كبير.
وقال أوهانلون: “إنه مهووس للغاية بتلك المعارك والثارات الزائفة. في الواقع، أعتقد أنه يؤدي أداءً جيداً فيما يتعلق بملف التحول والتطوير، لكن رغبته في الانخراط في ’حروب ثقافية‘ تصرف الانتباه عن الأولويات الحقيقية”.
التركيز على “استعادة روح المحارب”
اتسمت فترة ولاية هيغسيث إلى حد كبير بموقفه الحازم تجاه القضايا الاجتماعية وما يُعرف بـ “الحروب الثقافية”؛ إذ استهدف أفراداً وقادة عسكريين يرى أنهم يتبنون “أفكاراً تقدمية مفرطة” شملت بعض الخطوات الأولى التي اتخذها بصفته وزيراً: الدعوة إلى تغيير اسم “وزارة الدفاع” ليصبح “وزارة الحرب”، وإعادة تسمية القواعد العسكرية بأسماء تعود إلى حقبة الكونفدرالية، وإن كان ذلك بإطلاق الأسماء نفسها على شخصيات مختلفة.
وفي أكتوبر/ تشرين الأول، جمع هيغسيث كبار الجنرالات وقادة الصفوف الأخرى في الجيش ووبخهم بشدة بشأن معايير اللياقة البدنية وإطلاق اللحى، وانتقد تحول المؤسسة العسكرية إلى “وزارة تتبنى أيديولوجية الوعي الاجتماعي، حيث يتم الاحتفاء بسياسات التنوع والإنصاف والشمول، ورجال يرتدون فساتين”.
وفي أغسطس/ آب، وأثناء حديثه أمام “تحالف الأمريكتين لمكافحة عصابات المخدرات في بنما، انتقد هيغسيث إدارة الرئيس السابق جو بايدن لتركيزها على “أولويات مثل قضايا النوع الاجتماعي، والمرأة والأمن والسلام، أو تغير المناخ والتنوع – أي رجال يرتدون فساتين”.
وقال في يناير/كانون الثاني في كاليفورنيا: “لا مزيد من سياسات التنوع والإنصاف والشمول ، ولا مزيد من رجال يرتدون فساتين، ولا مزيد من الهندسة الاجتماعية”.
وفي الشهر الماضي، شارك هيغسيث أيضاً في حملة انتخابية للنائب زاك نان في معرض ولاية أيوا، حيث ذكر للحشود بأن البنتاغون يعمل على “استعادة روح المحارب”، وقال: “في وزارة الحرب، نحن نركز على التدريب القتالي، لا على المتحولين جنسياً”.
كما أشارت مصادر إلى أن عمليات الإقالة أو الإجبار على المغادرة التي طالت كلاً من رئيس أركان الجيش راندي جورج، والقائد السابق للجيش الأمريكي في أوروبا وأفريقيا الجنرال كريستوفر دوناهو، والقائد السابق لقيادة التحول والتدريب في الجيش الجنرال ديفيد هودني، تثير قلقاً خاصاً نظراً لتركيزهم على تهيئة الجيش للمستقبل.
ففي أوروبا، كان دوناهو يعمل بسرعة للاستفادة من الخبرات الأوكرانية في مجال حرب الطائرات المسيرة، ولتحديد أفضل السبل لتزويد القوات الأمريكية بتقنيات منخفضة التكلفة ولكنها فتاكة، وذلك للتصدي للهجمات المماثلة لتلك التي شنتها إيران في الشرق الأوسط خلال الأشهر القليلة الماضية.
وكان يُنظر إلى القائد السابق لقوة “دلتا” على أنه أحد أكثر جنرالات الجيش الواعدين في الخدمة الفعلية.
أما هودني، وهو عنصر بارز ومحترم للغاية في قوات “الرينجرز” ، قاد قيادة التحول والتدريب في الجيش ومقرها أوستن بولاية تكساس.
وفي مارس/آذار، أبلغ قادة الصناعة والجيش على حد سواء بأن القيادة ستعمل على “الابتكار بوتيرة عاجلة” لمواجهة تهديدات تمثلها دول مثل الصين وروسيا وإيران.
وأقام دوناهو حفل تقاعد الأسبوع الماضي، وذلك بعد مرور بضعة أشهر على تركه منصبه القيادي في أوروبا دون أن يكلفه هيغسيث بأي دور جديد.
وفي المقابل، أُقيل هودني في شهر إبريل/نيسان إلى جانب جورج، دون تقديم أي تفسير علني للأمر.
وقال مسؤول كبير سابق في الجيش: “إنكم تستبعدون ثلاثة من أكثر القادة القتاليين خبرة في هذا الجيل، وهم في موقع فريد يتيح لهم تحديد متطلبات ساحة المعركة بدقة؛ لذا أعتقد أن المخاوف حقيقية للغاية”.
دريسكول وهيغسيث لم يتحدثا “منذ فترة”
قبل استقالة دريسكول، لم يكن هو وهيغسيث قد تحدثا مع بعضهما البعض “منذ فترة”، وذلك وفقاً لمصدر آخر مطلع على طبيعة العلاقة بينهما.
وأضاف المصدر أن هيغسيث كان يرى أن كلاً من دريسكول ونائبه ديف فيتزجيرالد -الذي استقال هو الآخر- لا يتماشيان مع أولوياته بالنسبة للجيش والمؤسسة العسكرية بشكل عام.
وقال المصدر لـ CNN: “كان تركيز دريسكول وفيتزجيرالد منصباً على قضايا التحديث وليس القضايا الاجتماعية”، في إشارة إلى تركيز هيغسيث المعروف -والموثق جيداً- على ضرورة أن تعكس المؤسسة العسكرية صورة عامة محددة، بدلاً من التركيز على الأولويات الاستراتيجية طويلة الأمد.
وكانت مصادر ذكرت لـCNN سابقاً بأن هيغسيث يولي اهتماماً خاصاً بالجيش بصفته وزيراً للدفاع، نظراً لخبرته السابقة كضابط في الحرس الوطني للجيش كما ذكر مسؤول في البنتاغون لـ CNN بأن هيغسيث “يكنّ عدم ثقة متجذر تجاه الجيش”، وكان ينظر بعين الريبة إلى دريسكول “منذ البداية”.
واعتبر الكثيرون داخل الجيش والبنتاغون أن هذا هو السبب الرئيسي وراء سعيه لتعيين مساعده العسكري الأول، الجنرال كريستوفر لانيف، في منصب نائب رئيس أركان الجيش؛ إذ أزاح هيغسيث نائب رئيس الأركان آنذاك، الجنرال جيمس مينغوس -الذي كان يحظى باحترام واسع- وعيّن لانيف مكانه.
وعندما أقال هيغسيث الجنرال جورج في إبريل، كان لانيف جاهزاً لتولي المنصب بصفة مؤقتة.
ولم يُرسل ترشيح لانيف رسمياً إلى الكونغرس للمصادقة عليه، وهناك اعتقاد سائد بأنه لا يملك الأصوات الكافية لتثبيته في منصب رئيس أركان الجيش.
وعند سؤاله عن تعليق بخصوص هذا الموضوع، رفض الجنرال لانيف ذلك عبر متحدث رسمي.
و في حين أحال الجيش الأسئلة المتعلقة بهذا الأمر إلى وثيقة “بوصلة التوجه الاستراتيجي” الخاصة بلانيف، والتي كان الجيش أصدرها في أغسطس.
ورغم أن لانيف كان يمتلك بعض الخبرة في البنتاغون قبل تعيينه مساعداً عسكرياً أول لهيغسيث، إلا أن الآراء حول أدائه كانت متباينة.
ومع ذلك، صعد بسرعة ليشغل منصب نائب رئيس أركان الجيش، وهو يشغل الآن منصب رئيس الأركان بالإنابة.
ووصفت مصادر -داخل البنتاغون وخارجه- لانيف في حديثها لـ CNN بأنه شخصية “منعزلة”، و”يواجه مهاماً تفوق قدراته”، وأنه غير مستعد إطلاقاً لتولي دور أرفع جنرال في الجيش.
كما ذكر مسؤول الدفاع أن لانيف طلب من بعض أفراد طاقمه توقيع اتفاقيات عدم إفصاح؛ وهي خطوة أقدم عليها هيغسيث أيضاً، لكنها تُعد أمراً غير معتاد على الإطلاق بالنسبة لقائد عسكري يطلبها من مرؤوسيه في الخدمة العسكرية.
وفي ظل مساعي الجيش الرامية إلى التحديث، أفادت مصادر بأنه لم يتضح ما إذا كان “لانيف” مواكباً لهذه الجهود ومتحمساً لها بنفس القدر الذي كان عليه سلفه،وقال مسؤول في قطاع الدفاع إن “نهجه المعهود” يتمثل في كونه شخصية تؤمن بـ “العودة إلى الأساسيات”.
وظل هذا هو أسلوبه المعتاد لفترة طويلة، وذلك وفقاً للمسؤول الدفاعي ومصدر آخر مطلع على فترة عمله في الفرقة 82 المحمولة جواً.
ومثل هيغسيث، أبدى لانيف اهتماماً لافتاً بمعايير الانضباط الفردي، وهي أمور عادةً ما تُوكل مهمة فرضها إلى ضباط أقل رتبة وقادة من صفوف الجنود. وقد برز هذا الأمر بشكل أوضح في أغسطس، أصدر “لانيف” توجيهاً استراتيجياً للجيش يحدد مسار العمل المستقبلي ويرسم أولويات التركيز للمؤسسة العسكرية.
وذكر لانيف أن على الجيش “تأمين الحدود” وتبني “عقلية المحارب”، وأشار إلى أن الجيش “سعى بقوة لإحداث تغييرات تهدف إلى الاستعداد لعمليات قتالية واسعة النطاق”، مؤكداً أن “عملية التغيير هذه لا تزال مستمرة”.
وقال: “نحن نركز اليوم على مبادئ الجندية الأساسية، ونضمن ترسيخاً قوياً لروح المحارب، وجاهزية الجندي الفرد، والمهارات التكتيكية للوحدات الصغيرة. وبينما ينفذ الجيش مهامه وعملياته حول العالم، فإننا نوجه اهتمامنا نحو الجاهزية العملياتية لتحقيق مهمتنا الجوهرية: أن نكون مستعدين للقتال وكسب معارك الوطن وحروبه”.
وفي هذا السياق، ذكر مسؤول دفاعي في أوروبا بأن هذه الرسالة – ونهج “العودة إلى الأساسيات” الذي يتبناه لانيف بشكل عام – تتعارض تماماً مع التقدم الذي كان يسعى كل من دونااهو وجورج و دريسكول وغيرهم لتحقيقه في مجال تحديث الجيش.
وأضاف: “لم يتولَّ هيغسيث منصبه وهو معارض للتحديث؛ بل إن بعض إصلاحات دريسكول نبعت مباشرة من التوجهات الأولية لهيغسيث، لقد واصل دريسكول محاولاته لتغيير سرعة الجيش في التعلم والتجربة والشراء، بينما ظل هيغسيث يعود دائماً إلى التركيز على مظهر الجنود وسلوكهم ومن يتولى قيادتهم”.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية





