
تحليل بقلم الزميلة نادين إبراهيم من CNN
(CNN)– تسبب التقدم السريع للحوثيين المدعومين من إيران في اليمن وهجماتهم على السعودية، في جعل خيارات الرد المتاحة أمام المملكة الخليجية قليلة، وتنطوي جميعها على تكاليف باهظة.
ويرى خبراء أن الرسالة الرئيسية الصادرة عن المملكة هي أن الرياض لا ترغب في حرب شاملة، إلا أن السلوك الجريء والمتصاعد للحوثيين قد يجر الدولة الخليجية رغم ذلك إلى صراع أوسع نطاقا.
وقال الخبير في الشأن اليمني ومحلل المخاطر، محمد الباشا، في تصريحات لشبكة CNN إن جميع المؤشرات “تشير حاليًا إلى احتمال شن السعودية ردا واسع النطاق، وهي احتمالية تتزايد يوما بعد يوم”.
وأضاف: “في هذه المرحلة، لم يعد لديهم أي خيار آخر”.
خلال هذا الأسبوع، استولت جماعة المتمردين اليمنية على جزيرة “بريم” الاستراتيجية الواقعة عند مدخل البحر الأحمر، وكذلك على مدينة وميناء المخا، وذلك في إطار سعيها للسيطرة على مضيق باب المندب الحيوي لنقل الطاقة.
وبعد ذلك بوقت قصير، توقف العمل في خط أنابيب نفط سعودي رئيسي إثر تعرضه لهجوم بطائرات مسيرة انطلقت من العراق. ورغم عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، إلا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجه أصابع الاتهام إلى طهران، نظرا لوجود وكلاء لإيران ينشطون في العراق.
زادت المملكة العربية السعودية من اعتمادها على خط أنابيب “شرق-غرب” منذ أن أدت الحرب مع إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، مما استدعى تغيير مسار نحو 5 ملايين برميل من النفط يوميا كانت متجهة أصلاً إلى ناقلات النفط الراسية في الخليج.
ويبدو أن هذا الأمر يفاقم المخاوف التي أعربت عنها المملكة في وقت سابق من الشهر الماضي؛ إذ صرح مسؤول رفيع المستوى لشبكة CNN، إن السعودية تتأهب لمواجهة “هجمات منسقة ومتعددة” قد تشنها ميليشيات عراقية بالتعاون مع جماعة الحوثي المدعومة من إيران.
للوهلة الأولى، يبدو المشهد غير متكافئ؛ فمن جهة تقف السعودية الغنية بجيشها الحديث والمجهز بأحدث العتاد، ومن جهة أخرى توجد جماعة متمردة في اليمن الذي يعاني الفقر. ومع ذلك، أثبت الحوثيون أنهم قوة يصعب للغاية دحرها أو إزاحتها.
ورغم أن الغرب وبعض دول الخليج غالبا ما ينظرون إليهم باعتبارهم وكلاء لإيران ومجرد ميليشيا “غير نظامية ومفككة”، إلا أن الحوثيين أمضوا سنوات في تطوير تكتيكاتهم العسكرية والقتالية. كما اكتسبت الجماعة شعبية في أجزاء من الشرق الأوسط بعد توجيه ضربات لإسرائيل عقب حرب غزة، التي اندلعت إثر الهجوم الذي قادته حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول.
ولا تزال مطالب الحوثيين ثابتة؛ فهم يسعون لإنهاء المحاولات السعودية لعزل مساحات واسعة من شمال اليمن -التي تسيطر عليها الجماعة- من خلال فرض حصار اقتصادي وقيود على التنقل. ورغم تحالفهم مع إيران، إلا أن لديهم أجندتهم الخاصة أيضا.
قال رئيس وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” (التي تديرها جماعة الحوثي)، نصر الدين عامر، لشبكة CNN ، الجمعة، إن الحوثيين سيواصلون “الضغط” على السعودية حتى يتمكنوا من “كسر الحصار الذي يفرضه العدو السعودي ظلما منذ 12 عاما”، مما يشير إلى نية واضحة لتصعيد الموقف.
انزلق اليمن إلى دوامة من الاضطرابات عام 2014 عندما استولى الحوثيون على العاصمة صنعاء وأجبروا الحكومة المعترف بها دوليا على العمل من المنفى.
وقادت السعودية حملة عسكرية في العام التالي لطرد المتمردين، وواصلت دعم الحكومة المعترف بها دوليا مع الإبقاء على حصار خانق للمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون في البلاد.
وفي الوقت نفسه، زودت إيران الحوثيين بالأسلحة والتدريب، وتمارس بعض النفوذ على قرارات الجماعة المتمردة.
ورغم الخسائر الميدانية التي تكبدتها، لم ترد السعودية بكامل قوتها بعد، مما يثير تساؤلات حول خطواتها المقبلة.
قد تقود تحركات المملكة في الأيام المقبلة إلى العودة لحرب شاملة، فضلا عن تداعيات كبيرة على الصراع بين الولايات المتحدة وإيران.
“خيار المواجهة الشاملة”
تواجه الدولة الخليجية جماعة مدعومة من إيران تسعى جاهدة لتوسيع نطاق سيطرتها الميدانية في اليمن. وعند النظر إلى الخيارات المتاحة، نجد أن الخيارات أمام السعوديين محدودة للغاية.
وفي هذا السياق، قالت سينزيا بيانكو، وهي باحثة زائرة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لشبكة CNN: “إن خيارات السعودية في الصراع مع الحوثيين محدودة بالفعل”.
وأضافت أن أحد الخيارات هو التصعيد، لكن ذلك ينطوي على تكاليف باهظة بالنسبة للمملكة.
وأشارت بيانكو إلى أنه إذا حاولت الرياض “المضي قدمًا بكل ثقلها” في المواجهة، فقد يتحول الأمر إلى صراع مفتوح يشبه الحرب الأهلية الدامية في اليمن.
لقد حول ذلك الصراع الممتد اليمن إلى مسرح لأسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ يحتاج نحو 22 مليون نسمة -أي ما يقرب من نصف السكان- حاليا إلى المساعدات الإنسانية.
كما أن نشوب حرب شاملة بين السعودية والحوثيين من شأنه أن يجر إيران -التي تخوض صراعا مع الولايات المتحدة منذ فبراير/شباط- إلى دائرة المواجهة.
وقالت بيانكو: “سيكون من الصعب حينها حصر الصراع في إطار الشأن اليمني البحت، واعتباره منفصلا عن الحرب الأوسع نطاقا بين الولايات المتحدة وإيران؛ إذ ستدخل السعودية طرفا مقاتلا إلى جانب الولايات المتحدة”.
وفي الوقت نفسه، من غير المرجح أن تتدخل الولايات المتحدة عسكريا ضد الحوثيين، لا سيما في ظل الأزمة الراهنة في مضيق هرمز، واقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي، والجدل الداخلي حول استخدام الموارد الأمريكية في الشرق الأوسط.
كما أوضحت بيانكو أن ترامب “ليس في وضع يسمح له بتعزيز الالتزام الأمريكي في المنطقة في ظل هذا الظرف السياسي الراهن”.
وعلى الصعيد غير المعلن، دأبت الولايات المتحدة على مقاومة الضغوط السعودية الرامية إلى إشراكها في القتال المتجدد.
صرح ترامب، السبت، بأن الحوثيين تواصلوا مع إدارته وأبدوا رغبتهم في ألا تنخرط الولايات المتحدة بشكل مباشر في الصراع.
وقال ترامب: “إنهم يفضلون بشدة عدم تدخلنا، وهم يسمحون بمرور معظم السفن. هناك دولة واحدة فقط لا يشعرون بالرضا تجاهها، وسنقوم بتسوية هذا الأمر”.
وذكر مصدر لشبكة CNN أن ولي العهد السعودي تحدث مرتين مع ترامب، الخميس، وحثه على توجيه ضربات للحوثيين أثناء تقدمهم نحو البحر الأحمر، إلا أن ترامب رفض ذلك.
ومع ذلك، أفادت CNN هذا الأسبوع – نقلاً عن مصادر متعددة مطلعة على هذه الجهود – بأن الولايات المتحدة أرسلت نحو 100 مستشار عسكري إلى السعودية لتقديم معلومات استخباراتية لدعم حملتها العسكرية ضد الحوثيين.
وفي هذا السياق، صرح نواف عبيد، وهو باحث أول في قسم دراسات الحرب بكلية “كينغز كوليدج” في لندن ومستشار سابق للحكومة السعودية، لـCNN بأن “الطلب السعودي لم يكن يتعلق بشن غارات جوية أمريكية”، بل اقتصر على طلب معلومات استخباراتية، مشيرا إلى أن “هذا الدعم يظل محدودا حتى الآن”.
“استنفاد الحلول السياسية”
هناك مسار آخر يتمثل في محاولة إيجاد مخرج سياسي للصراع، غير أن أوان هذا الخيار ربما يكون قد فات حاليًا.
وأشارت بيانكو إلى أن السعودية مارست “صبرا استراتيجيا” على مدى الأشهر القليلة الماضية، حيث وجهت الرياض تحذيرات متكررة وأصدرت بيانات إدانة لكل من الحوثيين والإيرانيين، ولكن دون جدوى.
وفي معرض ردها على الهجوم الذي استهدف خط أنابيب النفط “شرق-غرب”، صرحت وزارة الخارجية السعودية بأن “المملكة اختارت عدم الرد في هذه المرحلة ودعم جهود الحكومة العراقية” -التي انطلق الهجوم من أراضيها- مؤكدة في الوقت ذاته أنها “تحتفظ بحقها في اتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية سيادتها”.
وقالت بيانكو إن السعودية “استنفدت الحلول السياسية”.
وحتى لو توصلت الرياض إلى اتفاق مع الحوثيين، فإن ذلك سيكون بتكلفة باهظة.
وفي هذا السياق، قال الباشا إن ذلك قد يرقى على الأرجح إلى حد الرضوخ التام لمطالب الحوثيين، مضيفا: “إنه رضوخ مكلف للغاية؛ بل هو استسلام فعلي”.
ورغم عدم وضوح الموعد الذي ستُقدم فيه السعودية على خطوتها الانتقامية التالية، فمن المتوقع أن تتجاوز تداعيات ذلك حدود اليمن أو الرياض.
قال وهو المحلل الجيوسياسي السعودي، سلمان الأنصاري، لـCNN: “إن الحملة العسكرية التي تشنها الحكومة اليمنية ضد الحوثيين -بدعم من التحالف الذي تقوده السعودية- قد بدأت بالفعل، وأتوقع أن تزداد حدتها بشكل كبير في الأيام أو حتى الساعات المقبلة”، مضيفا: “قد نشهد أيضا مفاجآت كبرى على جبهات متعددة”.
ومع ذلك، أوضح الأنصاري أن السعودية لن تشن حربا شاملة “دون دعم دولي راسخ ومستمر ولا لبس فيه”.
وأضاف أن المجتمع الدولي “ارتكب خطأ جسيما بعدم الاكتراث بالتحذيرات السابقة التي أطلقتها السعودية والحكومة اليمنية” بشأن الحوثيين، مشيرا إلى أن “الرياض تتوقع الآن من المجتمع الدولي تصحيح المسار ودعم تحرير اليمن بالكامل من هذه الميليشيا الخبيثة”.
ويرى آخرون أنه في حال واصل الحوثيون تصعيدهم، فإن الدولة الخليجية ستضطر لخوض الحرب، سواء حظيت بدعم دولي أم لا.
وقال الباشا: “السعودية تتعرض لهجمات من الحوثيين ومن المقاومة الإسلامية العراقية؛ لذا لم يعد لديهم خيار آخر”.
وتابع قائلا: “هم في موقف لا يحسدون عليه”.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية