رأي.. عبدالله بن عادل فخرو يكتب: من “صُنع في الخليج” إلى “صنعناه معًا” | CNN Arabic | CNN

هذا المقال بقلم عبدالله بن عادل فخرو، وزير الصناعة والتجارة بمملكة البحرين، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي كاتبه، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

لم يعد السؤال اليوم: ماذا تستطيع كل دولة خليجية أن تصنع بمفردها؟ بل ماذا نستطيع، كدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أن نصنع معًا؟

لطالما آمنت بأن مستقبل الصناعة الخليجية لا يُبنى فقط بما تمتلكه كل دولة من قدرات وإمكانات وطموحات، بل بقدرتنا على ربط هذه الإمكانات ببعضها، والاستفادة من المزايا التنافسية التي تتمتع بها دولنا لبناء منظومة صناعية خليجية أكثر تكاملًا ومرونة، وقدرة على المنافسة عالميًا.

هذه الفكرة تمثل بالنسبة لي جوهر عبارة “صُنع في الخليج”، فعندما تستضيف مملكة البحرين، خلال الفترة من 6 إلى 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، منتدى ومعرض “صُنع في الخليج 2026″، فإننا لا ننظر إليه باعتباره مجرد معرض لمنتجات تحمل منشأ خليجيًا، بل منصة تعكس رؤية أوسع لمستقبل الصناعة في دول مجلس التعاون؛ رؤية ننتقل بها من الصناعة داخل الخليج إلى الصناعة من خلال الخليج كمنظومة واحدة.

من تكامل السياسات إلى تكامل المصانع

لقد قطعت دول مجلس التعاون خلال العقود الماضية شوطًا مهمًا في بناء الأطر المشتركة التي تدعم التجارة والصناعة، من السوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي، إلى تشريع العديد من الأنظمة والقوانين والمواصفات الموحدة.

هذه المكتسبات وفرت أساسًا مهمًا للتكامل الاقتصادي الخليجي، لكنني أعتقد أن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل بهذا التكامل إلى آفاق أشمل. فبعد أن تقاربت السياسات والأنظمة بين دول مجلس التعاون، حان الوقت لأن تتقارب سلاسل الإنتاج، وأن تتكامل المصانع، وأن تتحول السوق الخليجية المشتركة بصورة أكبر إلى سوق متكاملة للصناعة والاستثمار وسلاسل القيمة الخليجية المشتركة.

نريد أن نرى مصنعًا في البحرين جزءًا من سلسلة قيمة تبدأ من مادة أولية في المملكة العربية السعودية أو سلطنة عُمان، وتستفيد من تقنية أو خدمة متقدمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومن مورد أو مستثمر من دولة الكويت أو دولة قطر، وصولًا إلى منتج نهائي يحمل قيمة مضافة خليجية وينافس في الأسواق العالمية.

هذه هي الرؤية التي ينبغي أن نعمل من أجل تحقيقها. فليس المطلوب أن نكرر الصناعات ذاتها في كل دولة، أو أن ننظر إلى قدراتنا الصناعية باعتبارها متنافسة فيما بينها، بل أن نحدد أين تكمن الميزة التنافسية لكل دولة، وكيف يمكن أن نكمل بعضنا بعضًا.

فكلما زاد الترابط بين مصانعنا وموردينا ومستثمرينا، ارتفع حجم التجارة الصناعية البينية، وزاد المحتوى الخليجي في منتجاتنا، وتعاظمت القيمة الاقتصادية التي تبقى داخل دول مجلس التعاون.

العالم يتغير.. والفرصة أمام الخليج

تأتي هذه الرؤية في لحظة مهمة للاقتصاد العالمي، فسلاسل الإمداد يعاد تشكيلها، والشركات العالمية تعيد النظر في مواقع الإنتاج والتوريد، والتكنولوجيا تغير طبيعة الصناعة بوتيرة غير مسبوقة، فيما أصبحت المرونة والاستدامة والأمن الصناعي والوصول إلى الأسواق عوامل أساسية في القرارات الاستثمارية.

ولا شك أن هذه التحولات تفرض تحديات متعددة، لكنها في المقابل تفتح أمام دول مجلس التعاون نافذة استثنائية من الفرص، فمنطقة الخليج تمتلك اليوم مجموعة من المقومات المهمة التي يصعب أن تجتمع في منطقة واحدة وتشمل: الطاقة والمواد الأولية، ورؤوس الأموال والقدرات التمويلية، والبنية التحتية والموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية المتطورة، والتكنولوجيا المتقدمة، والكفاءات البشرية المؤهلة والمدربة، إلى جانب موقع استراتيجي في قلب حركة التجارة العالمية، وشبكة متنامية من العلاقات والاتفاقيات التجارية مع عدد من أهم الأسواق الدولية.

وإذا استطعنا توظيف هذه العناصر بصورة متكاملة، فإن السؤال لن يكون فقط عن حجم الصناعة الخليجية، بل عن الموقع الذي يمكن أن تحتله دول مجلس التعاون على خريطة الصناعة العالمية خلال العقد المقبل.

وطموحنا هنا يجب ألا يتوقف عند حدود السوق الخليجية فقط، بل أن تكون منظومة مجلس التعاون مركزًا صناعيًا في قلب حركة الاقتصاد العالمي؛ مركزًا يربط الشرق بالغرب، وتلتقي فيه الصناعة والتجارة والخدمات اللوجستية والتمويل والتكنولوجيا، وتنطلق منه منتجات خليجية ذات قيمة مضافة عالية إلى الأسواق العالمية.

البحرين.. الصناعة الوطنية ضمن رؤية خليجية أوسع

في مملكة البحرين، انطلقنا في استراتيجية قطاع الصناعة (2022-2026) من رؤية واضحة لبناء قطاع صناعي أكثر تنافسية وتقدمًا واستدامة، يقوم على التكنولوجيا والابتكار، ويركز على الصناعات ذات القيمة المضافة، ويدعم التحول نحو الثورة الصناعية الرابعة والاقتصاد الدائري للكربون، ويعزز وصول المنتج البحريني إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.

لكننا في الوقت ذاته ننظر إلى الصناعة البحرينية باعتبارها جزءًا من منظومة خليجية أوسع، فمملكة البحرين لا تحتاج إلى امتلاك كل عناصر سلسلة القيمة داخل حدودها حتى تكون قادرة على بناء صناعات مؤهلة للمنافسة عالميًا، وكذلك الحال بالنسبة لأي دولة من دول المجلس.

إن قوتنا الحقيقية تكمن في قدرتنا على الوصول إلى ما تمتلكه دولنا مجتمعة، وليس فقط بما تمتلكه كل دولة منفردة. لدينا في دول مجلس التعاون مزايا تنافسية مختلفة ومتكاملة؛ من المواد الأولية والطاقة، إلى التكنولوجيا ورؤوس الأموال والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والكفاءات البشرية، والوصول إلى الأسواق، وإذا استطعنا ربط هذه المزايا ضمن سلاسل قيمة خليجية مشتركة، فإننا لا نوسع أسواق مصانعنا فحسب، بل نرفع كذلك قدرتها على النمو والتصدير والمنافسة عالميًا.

المرحلة القادمة.. يقودها القطاع الخاص

لقد قامت الحكومات الخليجية بدور كبير في بناء البيئة التشريعية والمؤسسية التي تمهد لهذا التكامل، أما المرحلة المقبلة، فيجب أن يكون القطاع الخاص في قلبها محركا للنمو الاقتصادي.

فالمصنعون والمستثمرون ورواد الأعمال والمبتكرون والمؤسسات التمويلية ومراكز البحث والتطوير هم القادرون على تحويل التكامل الخليجي من سياسات واتفاقيات إلى تجارة واستثمارات ومشاريع ومصانع وشراكات فعلية.

ولهذا، أطمح أن يغير معرض “صُنع في الخليج” الطريقة التي ينظر بها الصناعي الخليجي إلى الفرص، فبدلًا من أن يسأل المستثمر: ماذا أستطيع أن أصنع في دولتي؟، نريد أن يصبح السؤال: ماذا نستطيع أن نصنع معًا كدول خليجية؟ وأين يوجد المورد الخليجي الذي يمكن أن يكون جزءًا من سلسلة إنتاجي؟ وأي تقنية خليجية يمكن أن تطور مصنعي؟ وأي شريك خليجي يمكن أن يساعدني على التوسع؟ وأي منتج نستطيع أن نصممه ونصنعه ونسوقه معًا إلى العالم؟ حين تبدأ هذه الأسئلة بالتحول إلى قرارات استثمارية وعقود وشراكات، نكون قد انتقلنا فعليًا من تكامل السياسات إلى تكامل الاقتصادات والمصانع.

من “صُنع في الخليج” إلى “صنعناه معًا”

من هنا، فإن طموحنا لمنتدى ومعرض “صُنع في الخليج” يتجاوز بكثير أيامه الثلاثة. نريد أن تنطلق منه شراكات صناعية جديدة، وصفقات وفرص استثمارية، وعلاقات بين المصنعين والموردين، وسلاسل قيمة وإمداد خليجية جديدة، وأفكار تتحول إلى منتجات وتقنيات ومصانع.

كما نريد أن يكون هذا المنتدى منصة لمناقشة القضايا التي ستحدد تنافسية الصناعة الخليجية في السنوات المقبلة؛ من المصانع الذكية والثورة الصناعية الرابعة والابتكار الصناعي، إلى مرونة سلاسل الإمداد والاستدامة والتمويل وتنمية الكفاءات الخليجية والبنية التحتية والمناطق الصناعية.

لكن الطموح الأكبر بالنسبة لي هو أن تتطور عبارة “صُنع في الخليج” مع الوقت من مجرد دلالة على المنشأ إلى هوية صناعية مشتركة. هوية ترتبط في أذهان العالم بالجودة والابتكار والموثوقية والاستدامة والقدرة على المنافسة.

فالنجاح في المرحلة المقبلة لن يُقاس فقط بعدد المصانع التي ننشئها، أو بحجم الاستثمارات التي نستقطبها، بل بمدى قدرتنا على ربط مصانعنا، وزيادة التجارة بينها، وتعظيم المحتوى والقيمة المضافة الخليجية، وبناء منتجات تستطيع أن تصل من الخليج إلى العالم. وحين يصبح المنتج الخليجي ثمرةً لقدرات وإمكانات تمتد عبر أكثر من دولة خليجية، فإن “صُنع في الخليج” لن يعود مجرد وصف لمكان الإنتاج، بل تعبيرًا عن منظومة إنتاج متكاملة.

وهذا، في تقديري، هو التحول الذي يجب أن تقوده المرحلة المقبلة من مسيرة الصناعة الخليجية، وهو أن ننتقل من مجموعة صناعات وطنية ناجحة إلى منظومة صناعية خليجية متكاملة، تستفيد من نقاط القوة والقدرات في كل دولة وتحوّل موقع الخليج وإمكاناته المشتركة إلى قوة صناعية عالمية.

ومن مملكة البحرين، نتطلع في أكتوبر المقبل إلى أن نجمع الصناعيين والمستثمرين والمبتكرين وصناع القرار من مختلف دول مجلس التعاون والعالم، ليس فقط لنستعرض ما صنعناه، وإنما لنناقش ما الذي يمكن أن نصنعه معًا بعد ذلك.

لأن “صُنع في الخليج” في جوهرها ليست فقط هوية لما ننتجه اليوم، بل طموح لما يمكن أن نصنعه معًا للمستقبل، فالمستقبل ليس فقط “صُنع في الخليج”… بل “صنعناه معًا في الخليج”.

المصدر: شبكة سي ان ان عربية

Exit mobile version