
تستحضر الكويت، في هذه الأيام، ذكرى أحد رجالاتها الوطنيين الذين سجلوا في تاريخها وقفات من العطاء في الشأن العام. عشرون عاماً مرّت على رحيل العم المرحوم جاسم حمد الصقر. نعيد ذكراه اليوم، ونسلّط الضوء على شهادات دوّنت ساعة الرحيل، كتبها ثلّة ممن عرفوه ووقفوا على مآثره ورسموا صوراً عن حياته. في كتاب قمت بإعداده عن شهادات قيلت بحق المرحوم «أبو وائل»، تحت عنوان «جاسم حمد الصقر… شهادات وسيرة»… توجد 51 شهادة وقراءة، استعاد فيها أصحابها سلسلة من المحطات الفاصلة في تاريخه العملي والوطني. وإلى وقت ليس ببعيد، كنت تجد نفسك أمام هاماتٍ وطنية خرجت من رحم مجلس الأمة، تقف أمامهم متهيباً ما هم فيه من تواضع وحكمة، تنتبه إليهم عندما يتحدثون بلُغة تجمع بين الأدب السياسي والكثير من المواقف التي تسمو بهم وتليق بالوطن الذي يحملون اسمه. من أوجز الصفات التي تأخذك للإبحار في سيرة هؤلاء المؤسسين أنهم مواطنون أسوياء، صادقون في وطنيتهم، أقوياء في دفاعهم عن القضايا التي أعطوها عصارة فكرهم. كان الراحل جاسم حمد الصقر، يأسرك بتواضُعه الجم، وبأدبه الرفيع، وبحُسن استماعه لمحاوريه، وفوق كل ذلك بسعة اطّلاعه ومعرفته وسرده للأحداث بعبارات واضحة ليس فيها زيادة ولا نقصان. إلى وقت قريب عندما كان الصراخ يعلو أحياناً في مجلس الأمة، وينحدر البعض إلى السقوط في المستنقع القبيح من مفردات اللغة، يقف آخرون ممن عاصروا جيل الآباء متحسّرين على فقدان أولئك الروّاد والمصلحين والحكماء الذين كانت خلافاتهم بمنزلة مدرسة في التخاطب، فلا إسفاف أو تجريح، بل كلام مسؤول ومحترم، واليوم لا يذكر أحد الراحل جاسم الصقر إلا ويتبع كلامه بعبارة «نعم الرجل، ونعم الموقف، ونعم العائلة». هو ابن حمد عبدالله الصقر، الذي كان رئيساً لأول مجلس شورى عرفته الكويت عام 1921، وشقيق عبدالله حمد الصقر، العضو الفعال في المجلس التشريعي الأول عام 1938، وصاحب السجل الوطني البارز في تاريخ الكويت السياسي، وشقيق عبدالعزيز حمد الصقر، رئيس أول مجلس أمة عرفته الكويت عام 1963. والراحل من أسرة جمعت بين السياسة والتجارة، أباً عن جد، وانتقلت من جيل إلى آخر، نشأ في بيت سياسي وطني كان ملتقى لأهل الكويت، امتلك خاصية الانتماء القومي والعروبي، وزاد من رصيده هذا دخوله مبكراً في العمل الفكري والسياسي، سواء بكلية الحقوق في جامعة بغداد، ليكون أول خريج كويتي فيها عام 1943، أو من خلال مساهماته ونشاطاته بلجنة عون فلسطين، ولقاءاته مع عدد من الشخصيات السياسية في العالم العربي. التزامه المبدئي مع الخط القومي العروبي بقي محصّناً، ولم يهتز تحت وطأة الاحتلال الصدامي عام 1990، فقد نشأ في بلد قرأ هويته من خلال الرسائل البريدية وقتذاك «الكويت بلاد العرب»، وبقي وفيّاً لهذا الانتماء ومعبّراً عنه في مناسبات عديدة، أبرزها مشاركته في تأسيس المؤتمر الشعبي لمناهضة التطبيع مع إسرائيل، وحضوره الشخصي لأي نشاط ينسجم وتوجهاته وقناعته بأن الصراع معها صراع وجود لا صراع حدود. لم يكن تبرُّعه بالاشتراك مع شقيقه عبدالعزيز حمد الصقر بإنشاء مركز الصقر التخصصي، الذي بدأ عمله منتصف يناير سنة 2000، إلّا امتداداً لتبرعات الخيّرين من رجالات الكويت ومن عائلة الصقر لمشاريع وطنية ومؤسسات خيرية ومساجد، ومن تلك الأعمال على سبيل المثال لا الحصر «تبرّع شاهة حمد الصقر» بدكان كانت تملكه في قيصرية التجار، ليكون نواة للمكتبة الأهلية عام 1936. بوصفه عضواً في مجلس الأمة للفصول التشريعية: الرابع (1975- 1976) والخامس (1981 – 1985) والسادس (1992- 1996) كان له دور في عدد من القوانين والاقتراحات ذات الشأن، وهي إسهامات ترجمت على الأرض، من أهمها قانون التأمينات الاجتماعية، وصندوق احتياطي الأجيال القادمة، والتعديلات التي أدخلت على قانون الجزاء، وفكرة إنشاء جامعة لكل أبناء الخليج، تساهم فيها الكويت. ومثلما يعطي لنفسه حق الرد والسؤال على ما يخصه أو يوجّه إليه، كذلك كانت حاله مع الآخرين، كان شديد الحرص على كراماتهم وحقوقهم، وانضباطه في تلك الصفة يعطيه ميزة الاحترام والتعقل، وهما صفتان أخلاقيتان كانتا تلازمانه في حياته أينما حلّ أو ذهب. في اليوم الأخير من الشهر السابع لعام 1996، ودّع العمل النيابي بكلمة ألقاها في آخر جلسة يحضرها. يومها قال رأياً عن الالتزام بالضوابط المتفق عليها بممارسة الديموقراطية، كاحترام القانون والتدخل أحياناً في المخافر، أو الدفاع عن شخص بتصرُّف أو اعتداء على جهة ما، وهي ظواهر ظلت، مع الأسف، باقية عند بعض النواب من بعده… وكان في إعلانه التوقف عن خوض الانتخابات والتنحي عن شغل الوظيفة العامة في مرحلة معيّنة من العمر كثيرٌ من التواضع والثقة بالنفس واحترام المنصب التمثيلي للأمة. عام 1994 اختير من ضمن «شخصيات الديرة البرلمانية»، وأفردت له مساحات واسعة للحديث عن تاريخه النيابي وعطائه ومواقفه الوطنية، التي ورثها بالسليقة، من شعر رأسه حتى أخمص قدميه، فهو من دعاة الرويّة والأناة. جاسم حمد الصقر أحد رموز التراث الوطني وأحد رواد الديموقراطية، من حقه علينا أن نعبّر عن وقفة وفاء له بعد رحيله، بكلمة تنبع من الوجدان موجهة إلى أبنائه وأسرته وعائلته… عظّم الله أجركم، والخير في الخلف… وفيما يلي نستعرض عدداً من الشهادات التي أعقبت وفاته رحمه الله:
وضع للسياسة تعريفاً أخلاقياًاستهل الكاتب ماجد جمال الدين مقالته بعنوان «الرجل الذي وضع للسياسة تعريفاً أخلاقياً» وبالقول: «ساعة الغروب أمس استعجلت موعدها فبدت الكويت حزينة شاحبة، وزادت عتمة ليلها بقدر ما فقدت من ضوء بعد أن انطفأ واحد من أبهى مصابيحها».جمال الدين: كان متواضعاً بغير خفة مترفعاً بغير كبر جامعاً بين الأصالة والحداثةالعم جاسم حمد الصقر كان من الندرة، أصالة من دون جمود، وحداثة من دون جموح، وصراحة دون إيذاء، ودبلوماسية بدون رياء، وتواضع بغير خفة، وترفع بغير كبر، وانسجام كامل بين الفكر والوجدان، بين العقل والإيمان، وبين السياسة والأخلاق.وعلى الصفحة الأولى من جريدة «الراي» وتحت عنوان «سيرة الكويت ومسيرة الصقر»، ابتدأ جاسم بودي شهادته بالقول: «خطان رسمهما العم جاسم الصقر في مسيرته الحافلة بالعطاء والتألق، فعلى المستوى العام كان الملتزم الأكبر بمواقفه الوطنية ومبادئه القومية، منذ كتلة الشباب الوطني في الثلاثينيات حتى آخر لحظة في حياته، لم يغير، لم يبدل، لم يعتبر أي تراجع في مشروعه العام إلا تحدياً جديداً يفرض على الوطنيين والقوميين تجاوزه بلغة ومنطق العصر».جاسم بودي: مسيرته حافلة بالعطاء والتألق وكان الملتزم الأكبر بمواقفه الوطنية ومبادئه القوميةالاعتدال في المنهج والتفكيرأما د. ناجي سعود الزيد فكتب عن «رجل الماضي والحاضر» واصفاً إياه بصاحب الأخلاق العالية والأدب الجم والإنسانية اللا محدودة، والشجاعة بالقول عندما يسكت الآخرون، والحنكة السياسية والخبرة في التعامل، والتميز بالعلاقات الاجتماعية والتواضع إلى حد مذهل، والوطنية والعطاء للوطن بلا حدود، والاعتدال في المنهج والتفكير.ناجي سعود الزيد: صاحب الأخلاق العالية وشجاعة القول والأدب الجم والإنسانية اللا محدودةمواقف وطنيةبدوره، كتب محمد مساعد الصالح عن «الرجل الذي ودعناه» والذي تيسر له أن يستمع إليه وهو يجيب عن أسئلة بعض رواد ديوانية البرجس التي كان يتردد عليها، تحدث عن حركة المجلس عام 1938 واشتهار المرحوم جاسم الصقر بمواقفه الوطنية التي تتميز بالاعتدال «كان هذا واضحاً عندما كان رئيساً للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الأمة التي ترأسها نجله محمد جاسم الصقر راجياً أن يكون خير خلف لخير سلف».محمد مساعد الصالح: مواقفه وطنية تتميز بالاعتدال وهو ما تجلى حينما كان رئيساً للجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمةعبداللطيف الدعيج، كتب عنه بوصفه آخر الثلاثة من أبناء الراحل حمد الصقر الذين اهتموا بشدة بالشأن العام، بل يمكن القول إنهم قادوا العمل الوطني في السنوات التي أعقبت تأسيس الدولة، ولا يمكن أن يُنسى من تاريخ الحركة الوطنية الديموقراطية حيث كان النائب الوحيد الذي أوفى بعهده واحترم الدستور الذي أقسم عليه حين رفض وحيداً الموافقة على تحريم قانون تجنيس غير المسلمين باعتباره قانوناً غير دستوري أو ديموقراطي.عبداللطيف الدعيج: لا يمكن أن يُنسى من تاريخ الحركة الوطنية الديموقراطيةالدكتور عبدالمحسن الجارالله الخرافي، تناول سيرته الذاتية ومشوار حياته وسرد تاريخ أسرته والأعمال التي قام بها والمناصب التي تقلدها، وأفرد الحديث عن مركز حمد الصقر التخصصي.تجسيد للكويت الجميلةوفي وداعه، كتب أحمد بشارة : ودعت الكويت العم جاسم حمد الصقر، ذلك الرجل الذي اختزل في جسده النحيل وخُلقه الكبير وخبرته الغزيرة كل معاني الكويت الطيبة وشيمها وقيمها الراقية وتراثها الإنساني والسياسي والاقتصادي.اشتغل العم أبو وائل في السياسة باحتراف ورقي، ودون ابتذال أو مصلحة ذاتية أو تظاهر فج. وكان في مجلس الأمة وخارجه وعاء أخلاقياً للسياسة، ومرجعاً ثرياً للتوازن بين المصلحة العامة والمنطق وبين الحداثة والتراث. عاش قومياً عربياً في رؤيته للسياسة الخارجية… لكنها كانت دائماً قومية مؤطرة بالعقل والمصلحة الوطنية. تنبذ التطرف في الأقوال أو التشنج في المواقف. لم يلتفت إلى الغوغاء في السياسة ولم يتعاطَ التصلب في المواقف.أحمد بشارة : اختزل في جسده النحيل وخُلقه الكبير وخبرته الغزيرة كل معاني الكويت الطيبةجاهر العم أبو وائل برأيه في القضايا الخلافية التي شهدها المجتمع، مع التغيرات التي طرأت عليه منذ الستينيات، وساند حقوق المرأة السياسية، رغم سنه المتقدمة، عندما كانت الأغلبية تتجنب الموقف أو تعارضه. ودائماً دعم آراءه بحجج الواثق المقتدر والحريص الأمين على مصلحة وطنه… ومن دون اكتراث لمصلحة انتخابية أو ردود الأفعال عند الغير… فأدبه الجم ودماثة شخصيته ودرايته الواسعة ومكارم طباعه الإنسانية الراقية شكلت البوصلة الأخلاقية التي تحرك وجدانه وترسم له الطريق. وتمنّع عن المناصب السياسية العليا – سواء في مجلس الأمة أو الحكومة – بينما سعى إلى تزكية من يراهم الأصلح لخدمة بلده، وساند المخلصين القائمين على الخدمة العامة، حتى من اختلف معهم في الرأي السياسي.وفي سعيه إلى استجلاء الحقيقة، كان العم أبو وائل ينشد الرأي من الصغير كما من الكبير، وممن يشاركه الرؤية أو يخالفه الرأي. لم يترفع عن شخص أو مجلس إلا في حدود الأصول والأدب والأخلاق. كان واصلاً للرحم والأصدقاء، وحريصاً على مسؤولياته الاجتماعية ولو على حساب صحته، حتى وهو على فراش مرضه الأخير كان العم أبو وائل في اللحظات التي سمحت له ظروفه يشد على يد زواره، ويهم بتقبيلهم، ويحاول التمتمة بالسؤال عن صحتهم وذويهم وإن لم يسعفه اللسان، بينما المرض العضال ينخر في جسده الطاهر. لم يفارقه الخلق الكريم رغم صعوبة وضعه الصحي ونصح الأطباء.مارس العم أبو وائل التجارة بنهج راقٍ، مزج بين التراث الكويتي الأصيل والحداثة، ولم يخلط قط بين السياسة والتجارة، أو المصلحة الخاصة والمصلحة العامة. ومثل رجال جيله النجباء ترفّع العم أبو وائل عن كل نشاط فيه شبهة مالية أو أخلاقية. فالمال بالنسبة إليه إما حلال وإما حرام… ولا شيء هناك بين البينين. وساهم مع أخيه الراحل عبدالعزيز الصقر في بناء غرفة التجارة والصناعة لتصبح من أهم دعائم الاقتصاد الوطني، كما في العديد من الصروح الاقتصادية الكبيرة التي ينعم أبناء الكويت بفيئها اليوم.رحمك الله يا أبا وائل، فقد عشت شامخاً في أخلاقك، وسديداً في رؤاك، ووفياً لمبادئك، وكريماً في عطائك، فجسدت في حياتك وحملت في جسدك الناحل كل معاني الكويت الجميلة التي نحتاج إليها اليوم كما يحتاج إليها أبناؤنا غداً، فأنت من جيل راقٍ أخذ ينضب معدنه، وستفتقدك الكويت، كما سيفتقدك ذووك الأفاضل فأنت أب لكثيرين لم تنجبهم.فوداعاً صادقاً لك يا أبا وائل من جميع أهل الكويت. وإلى روضة الصديقين مثواك بإذن الله.وشكراً لك على كل لحظة عشتها بيننا وعلمتنا فيها كيف يكون كرم الأخلاق وحسن المعشر وصدق النوايا ونبل العواطف عند الإنسان.فيصل الزامل وجيل الحكمةبتاريخ التاسع عشر من شهر سبتمبر عام 2006 نشرت «الأنباء» مقالاً للزميل فيصل الزامل ورد فيه ما يلي: يمضي جيل برحيل العم جاسم الصقر، يرحمه الله، وعدد من زملائه، جيل الحكمة، نسأل الله أن يعوضنا عنهم خيراً. سألني صديق «كيف نعوض هذه الخسارة، برحيل هؤلاء؟».قلت له: أمثالهم موجودون في الجيل الحالي، حتى في جيل الشباب، ولكنهم في السنوات الأخيرة صاروا أميل إلى الانزواء – من كل الأعمار – جيل الاعتدال والاتزان في الطروحات لا يرغب في المنافسة مع الحناجر الملتهبة، شعاره لحية تحشمها، ولحية تحشم نفسك عنها». لست في وارد النقد، فربما كانت الأعراف التي قررها البعض في العمل السياسي، ضاغطة على هؤلاء، أعراف تقول «قوة الحنجرة دليل على الإخلاص»، أما جيل جاسم الصقر فإنهم مختلفون.فيصل الزامل: كان شخصية نوعية تقبلت طروحاتها مختلف الأطراف لعدم بحثه عن مكاسب أو مجد سياسيقال لي العم بو وائل يرحمه الله: «في بداية السبعينيات ضمنا اجتماع بالشيخ جابر، الله يرحمه، واقترحت تخصيص 10٪ من إيرادات النفط لمصلحة الأجيال القادمة، فالنفط ثروة ناضبة وهي ليست حقاً خالصاً للجيل الحالي فقط، والحقيقة يشكر الشيخ جابر لاستماعه وقبوله هذا الاقتراح، وهذا الكلام أقوله لك يا أخ فيصل وليس لغيرك»، وقد مر على هذا الحديث عشر سنوات وأراني قد أوفيت بما طلب، واليوم صار نشره من حقه، فهو من المحاسن التي تنشر.هذا النوع من الرجال، لا يهمه نشر صوره، وتسجيل إنجازاته و… إلخ، بل يحرص على عدم المباهاة، وأمثال هذا النموذج الكريم كثيرون لا يزالون موجودين بيننا، حتى إن كان صوتهم غير مسموع.
أعتقد أن الناس يتحملون مسؤولية إخراج هذه الفئة من عزلتها، وذلك بتحميلهم واجب التضحية، وتشجيعهم، فقد ولّى زمن ترهيب أهل الحكمة وعهود التخوين، وحكاية «الأموال الطاهرة» التي سمعناها في لبنان أخيراً، و«الأصوات الشريفة» التي كانت تقال إثر ظهور نتائج الانتخابات، في سنوات خلت!نعم، الحكماء كثيرون، ومن مختلف الأعمار، وليست الحكمة في تمييع الحق، وتزيين الباطل، ولكن في حسن المعالجة لأعقد المشاكل بغير تهوين، ولا تهويل.إنها نوعية تتقبل طروحاتها مختلف الأطراف، لكونها لا تبحث عن مكاسب ولا ترمي إلى بناء مجد (…) سياسي، وأي مجد هذا الذي بناه كميل شمعون وبيار الجميّل وسليمان فرنجية وعرفات ومثلهم كثير في بلاد أخرى، أصابها الخراب بسبب اختفاء الصوت الحكيم لمصلحة تلك الفئة.نعم، نحن الذين نصنع فئة الحكماء، ونخرجها من عزلتها، ألم يأتِ في الأثر «كيفما تكونوا يُولَّ عليكم»؟حسن العيسى: حين يندم الكباروتحت عنوان «حين يندم الكبار»، كتب الزميل حسن العيسى مقالة رثى فيها العم «أبو وائل» باستحضار واقعة جرت بينه وبين المرحوم نوردها كما هي:حدث قبل عام ونصف العام تقريباً… رنين هاتفي النقال يدق متواصلاً حوالي الساعة الحادية عشرة ظهراً، تثاقلت بالرد، فأمامي مشروع مقال أحاول البدء في أولى كلماته، تشده للأسفل عثرات ملل دائم خيّمت على نفسي، ضغطت على أزرار التلفون لأرد على الطرف الآخر. سكرتير شركة – لا أذكر اسمها – يأتيني عبر السماعة الصغيرة ويطلب مني أن أتحدث مع السيد جاسم الصقر… هواجس اختلطت بحيرة قفزت في رأسي عن دواعي ذلك الاتصال ومناسبته… سكرتير الشركة يردّ: تفضل سأحول الخط للسيد جاسم الصقر…حسن العيسى: رجل من زمن الكبار… علّمنا فضيلة البساطة وقبلها معنى النفس الإنسانية الكبيرةألو… أستاذ حسن اعذرني على هذه المكالمة في مثل هذا الوقت أتمنى ألا تكون مشغولاً… وأرجوك أن ترفع من نبرة صوتك فقد أصبح سمعي ثقيلاً مع هذا العمر. أجاوب مقاطعاً:أبداً يا عمي، هذه الساعة المباركة أتحدث فيها معك، كيف لي أن أخدمك؟!- أبداً… يا ابني. أنا من المتابعين لمقالاتك، وقد انتقدت في عدد منها موقف مجلس أمة 81 حول موضوع تعديل قانون الجنسية الذي يحظر منح الجنسية لغير المسلمين والذي أقره المجلس في ذلك الحين… يا ابني أنا كنت عضواً في ذلك المجلس، واعترضت في حينها في المداولة الأولى على ذلك المشروع الذي تقدم به بعض الإخوان في المجلس، وقلت لهم إن هذا التعديل يناقض مبدأ المساواة الدستوري، وهو عنصري في أبسط مقوماته، ولم أكن راضياً عنه… لكن ماذا أفعل… فقد تزايدت الضغوط عليَّ من أناس كثيرين… وشعرت أنني الوحيد كصوت نشاز في المجلس يومها… فوافقت في المداولة الثانية… وبعدها ندمت أشد الندم… وأنا اليوم أعتذر عن ذلك التصويت… فأرجو المعذرة… وأنا نادم الآن… لكن ماذا يفيد الندم؟أقاطعه مرة أخرى:يا عمي هل تسمح لي أن أكتب بهذا الموضوع، فنحن بحاجة لكي تصل أبسط رسالة في التسامح والأخلاق إلى نواب اليوم؟يرد الراحل جاسم الصقر:لا… لا تكتب فيها، فلا أريد أن يقال عني إنني استغللت وضعي كأحد الملّاك في الجريدة… وإنما تلك معلومة بسيطة شعرت أنك لا بد أن تعرفها… وإلى اللقاء.أجيب: أعدك بعدم الكتابة ومع السلامة.وتمضي الأيام ثقيلة أقرأ بحزن على صفحات جرائد الإعلان – الكويتية الرثة، وما احتوت من مقالات العنتريات، وما – يتجشأ به عدد من نواب الأمة من مشروعات وآراء وأتحسّر على زمن ولّى إلى غير رجعة… زمن الكبار والتواضع… وزمن تخطو فيه جماهيرنا لاهثة إلى الوراء… للتعصب… للتشنج… لدعاة تملّك صكوك الحقيقة الواحدة والمزايدين على مشاعر الجهل والتخلف… ولم أجتمع خلال ذلك الزمن الكئيب بالراحل جاسم الصقر غير مرة أو مرتين، في ديوان الفاضل برجس البرجس في شهر رمضان. كانت السنون تركض تنهش بأمراضها وقدرها من جسده الضئيل، لكن حتماً كانت له روح سامية.مات جاسم الصقر وقدمت واجب العزاء إلى أهله في المقبرة، بعدها ألقيت نظرة سريعة على قبره… ماذا يحوي غير جثمان ذاوٍ؟ علّمنا صاحبه فضيلة الندم والبساطة وعلّمنا قبلها معنى النفس الإنسانية الكبيرة، فهل نتعظ اليوم بالقليل من سيرة المرحوم جاسم الصقر حين نمقُت المكابرة ونتعلم أبسط الدروس في التواضع الإنساني وفضيلة التسامح الغائبة عن دنيا الكويت؟ رحل الكبير وأصبحت في حِلّ من وعدي له، فسامحني يا أبا وائل.الغنيم: دمعة ووفاءوفي صحيفة «الوطن» كتب الدكتور عبدالله الغنيم مقالة بعنوان «دمعة ووفاء» قال فيها:فجعتُ بل فجعت الكويت كلها بوفاة المرحوم جاسم الحمد العبدالله الصقر وشعرت بخسارة فادحة لفقدان واحد مثله محب لأصحابه، وفيّ لهم، حريص على رفعة وطنه وعزته، بذل جهداً كبيراً في شتى المجالات التي عمل بها، وكان أكثر هذه المجالات ذا طابع عام دافعه إليه المشاركة في بناء الوطن.عبدالله الغنيم: مخلص للوطن وأهله وفيٌّ للمبادئ التي عاش لها وبذل جهده في سبيلهاجاسم الصقر من مواليد سنة 1918م، وهو حاصل على ليسانس الحقوق من جامعة بغداد في سنة 1943م وهو بذلك أول كويتي – على الإطلاق – نال شهادة جامعية، كان منذ بداية تخرجه يسعى في مصالح أسرته التي لها أعمال تجارية كثيرة في البصرة، ولم يغادر هذه المدينة إلا في سنة 1959م. وقد استمر في الكويت على ما كان عليه من متابعة للأنشطة التجارية ولكنه سرعان ما انغمس في العمل العام، فصار عضواً في مجلس الأمة الرابع، ثم الخامس، وعندما فاز في انتخابات المجلس السابع (1992م – 1996م) انتخب رئيساً للجنة الشؤون الخارجية بالمجلس.
أثناء دراسته الجامعية
وله نشاطات أخرى بارزة، فهو عضو في مجلس إدارة الصندوق الكويتي للتنمية، ومجلس التخطيط، وشركة البترول الوطنية والمجلس الأعلى للجامعة، وغير ذلك.وهو إلى جانب هذا رئيس جمعية القلب الكويتية، والقنصل الفخري لمملكة السويد في الكويت منذ اليوم العشرين من شهر يونيو لسنة 1967م.ومع ذلك كله لم يكن يتردد في القيام بأي نشاط وطني أهلي يدعى إلى المشاركة فيه، فقد عاش طوال عمره في حركة دائبة يقودها الإخلاص للوطن وأهله، والوفاء للمبادئ التي عاش لها وبذل جهده في سبيلها.أبو وائل بالنسبة لي أكثر من صديق زاملته في مجلس الجامعة، وفي مجلس الأمة واجتمعت به في مناسبات عدة فوجدت فيه القدرة على طرح وجهة نظره بكل وضوح، ووجدت لديه الحرص على عدم جرح أي إنسان يخالفه في الرأي فقد كان أكبر بكثير من المهاترات وأنظف لساناً وأطهر قلباً من كثيرين من الذين نراهم اليوم فلا نسمع منهم إلا الإساءة للناس، وبخاصة العاملون منهم، من دون وضع حد فاصل بين الكراهية الشخصية ومصداقية المقابل لهم ودون وضع الأمور الانتخابية بعيداً عن المسؤولية التي يلقيها عليهم دورهم في مجلس ديموقراطي يُشرّع للبلاد كلها.ومن هنا، بل ومن أول لقاء لي بهذا الرجل الكريم توثقت صلتي به وصرت حريصاً على أن يشعر دائماً بتقديري الكبير له ولم تنقطع الصلة بيننا بعد أن ابتعد عن المشاركة في الانتخابات النيابية، فقد صار لنا موعد لقاء دائم كل يوم جمعة ألقاه ويلقاه كل محبيه عند الصلاة في مسجد المطير بضاحية عبدالله السالم، حيث يدخل إلى المسجد كالنسيم ويصلي ركعتين تحية للمسجد، ثم يمسك المصحف فيقرأ فيه حتى يرقى خطيب المسجد وإمامه الشيخ الدكتور وليد المنيس المنبر فيتوقف عن التلاوة.وعندما تنتهي الصلاة لا يغادر المسجد حتى يتفقد جميع معارفه يسلم عليهم ويسلمون عليه ويبدون له ما في نفوسهم تجاهه من محبة وتقدير، وقد استمر الحال على هذا المنوال حتى أقعده المرض، ودخل المستشفى من أجل العلاج ولم أنقطع أو ينقطع أحد ممن اتصل به في المسجد عن السؤال عنه بغية الاطمئنان عليه، ولكن خبر وفاته عاجلنا فكان له وقع شديد على نفوسنا، وذلك للمكانة العالية التي احتلها – رحمه الله – في قلوب كل الذين يجتمعون حوله بعد انقضاء الصلاة.يا أبا وائل… لئن كنت اليوم بعيداً عنا فلن ننساك وسنتوجه إلى الله سبحانه بالدعاء لك، وستجد الله غفوراً رحيماً ولا يضيع أجر المحسنين.
المصدر: جريدة الجريدة الكويتية