صندوق النقد: مصر امتصت تداعيات الحرب.. والدين والتمويل يفرضان تحديات | CNN Arabic | CNN

(CNN)– قال صندوق النقد الدولي إن مصر تمكنت من امتصاص تداعيات الحرب في الشرق الأوسط بفضل سرعة استجابة السلطات ومرونة سعر الصرف وتحسن الاحتياطيات الدولية، لكنه حذّر من استمرار نقاط ضعف مرتبطة بارتفاع الدين العام والاحتياجات التمويلية، بما يتطلب مواصلة الإصلاحات لدعم نمو أقوى يقوده القطاع الخاص.

وأوضح الصندوق أن مصر دخلت الصراع الإقليمي الأخير بوضع اقتصادي أقوى مقارنة بفترات سابقة من الضغوط الخارجية، بعدما ساهمت الإصلاحات المنفذة في إطار البرنامج المدعوم من الصندوق في تعزيز النمو، ووضع التضخم على مسار هبوطي، وإعادة بناء الاحتياطيات الدولية وتحسين مراكز الأصول الأجنبية لدى البنوك.

وبحسب صندوق النقد، تحركت السلطات المصرية سريعًا لاحتواء الصدمة من خلال مرونة سعر الصرف، وتعديل أسعار الطاقة بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية، وضبط الإنفاق وتوسيع الدعم الموجه، وهو ما ساعد الاقتصاد على استيعاب الضغوط دون امتدادها إلى النشاط الاقتصادي بدرجة أكبر.

وقال الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة إن الاقتصاد المصري أظهر قدرة على التعامل مع الصدمات الخارجية، لافتًا أن سعر الصرف تحرك بنحو 5% إلى 6% خلال فترة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، بالتزامن مع تحسن النمو وتوفير المزيد من فرص العمل.

وسجّل الاقتصاد المصري نموًا قدره 5% في الربع الثالث من السنة المالية 2025/2026، بينما حافظ قطاع السياحة على قدرته على الصمود وبدأ نشاط قناة السويس في التعافي تدريجيًا بعد الاضطرابات المؤقتة.

وتزامن ذلك مع تحسن تدفقات العملة الأجنبية، إذ ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 بنسبة 28.1% إلى نحو 29.7 مليار دولار، مقابل نحو 23.2 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، فيما ارتفعت تحويلات يوليو/تموز بنسبة 20% إلى نحو 4.5 مليار دولار، مقابل نحو 3.8 مليار دولار خلال نفس الشهر من العام الماضي، وفق بيانات رسمية.

وقال بدرة، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، إن هناك تحديات حال استمرار الحرب لفترة أطول قد يضغط على إيرادات قناة السويس، باعتبارها أحد مصادر العملة الأجنبية، كما أن ارتفاع أسعار النفط قد يزيد تكلفة دعم الطاقة ويدفع الأسعار والتضخم إلى مستويات أعلى، بما قد ينعكس على أسعار الفائدة وتكلفة التمويل داخل الجهاز المصرفي.

وسجّل التضخم السنوي للحضر في مصر 14.5% في أغسطس/آب 2026 مقابل 14.9% في يوليو، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.9% مقابل 14.7%.

وقال صندوق النقد إن ارتفاع التضخم جاء نتيجة انخفاض قيمة العملة وتعديلات أسعار الطاقة، لكنه كان أقل حدة من المتوقع، مع تأخر العودة إلى مستهدف التضخم بنحو عام.

وبلغ صافي الاحتياطيات الدولية لمصر 57.2145 مليار دولار في نهاية أغسطس 2026، وأشار الصندوق إلى أن الاحتياطيات ظلت عند مستويات مريحة رغم التدفقات الرأسمالية الخارجة في بداية الحرب، بما ساعد الاقتصاد على التعامل مع الضغوط الخارجية.

وكانت الأسواق المالية المصرية قد تعرضت لضغوط قوية في بداية الحرب، إذ تراجعت استثمارات غير المقيمين في أدوات الدين الحكومية المصرية المقومة بالجنيه من 39.1 مليار دولار في فبراير/شباط إلى 22.2 مليار دولار في مطلع أبريل/نيسان، فيما انخفض الجنيه بنحو 14% إلى 17%.

ومع انحسار الضغوط، عادت تدفقات استثمارات المحافظ المالية، واقتربت استثمارات غير المقيمين من مستويات ما قبل الصراع، بينما استعاد الجنيه جزءا كبيرا من خسائره الأولية، كما تحسنت ثقة المستثمرين وتراجعت علاوة المخاطر على الدين السيادي إلى مستويات أقل من تلك المسجلة قبل الحرب.

وعادت مصر إلى أسواق رأس المال الدولية، فأصدرت في مايو/أيار سندات يوروبوند اجتماعية بقيمة مليار دولار تجاوز الاكتتاب فيها خمسة أمثال قيمة الطرح، ثم أصدرت سند ساموراي بقيمة 500 مليون دولار في يونيو/حزيران، فيما وصلت علاوة المخاطر السيادية في الشهر الماضي إلى أدنى مستوياتها منذ 2014.

وبشأن ملف الدين، قال مصطفى بدرة إن ملف الدين واحتياجات التمويل يمثلان أحد التحديات الرئيسية أمام الاقتصاد المصري، خاصة أن ارتفاع الاحتياجات التمويلية يفرض على الدولة تدبير موارد لسداد الالتزامات القائمة وخدمة الدين، إلى جانب توفير التمويل اللازم للمرحلة المقبلة بعد انتهاء برنامج صندوق النقد الدولي.

وتستهدف الحكومة المصرية خفض الدين العام إلى أقل من 80% من الناتج المحلي الإجمالي، في وقت يقدر فيه صندوق النقد إجمالي الاحتياجات التمويلية بنحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي في الأجل القريب، على أن تتراجع تدريجيًا إلى أقل من 30% بحلول عام 2030.

وتظهر بيانات البنك المركزي حجم أعباء الدين الخارجي، إذ ارتفع رصيده من 163.71 مليار دولار بنهاية الربع الأول من السنة المالية 2025/2026 إلى 163.91 مليار دولار بنهاية الربع الثاني، بزيادة قدرها 198 مليون دولار.

وقال الخبير المصرفي، هاني أبو الفتوح إن الاقتصاد المصري أصبح أكثر قدرة على تحمل الضغوط الخارجية مقارنة بأزمات سابقة، مدعومًا بمرونة سعر الصرف والانضباط المالي وتعديلات أسعار الطاقة وما يتعلق بأسعار الفائدة، لكنه أشار إلى أن الدين العام، بشقيه الداخلي والخارجي، يظل من أبرز التحديات بسبب ارتفاع أعباء خدمته على الموازنة.

ويرى أبو الفتوح، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، أن زيادة الإنتاج تمثل أحد المسارات الأساسية لتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على مواجهة الصدمات، إذ تقلل الاعتماد على الواردات واستخدام العملة الأجنبية، وترفع المعروض من السلع والخدمات، بما يساعد على تحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب والحد من الضغوط التضخمية.

وحذّر صندوق النقد من أن اعتماد مصر بدرجة كبيرة على التمويل قصير الأجل، إضافة إلى ارتفاع حيازة البنوك من أدوات الدين الحكومية، يمثلان مصادر إضافية للمخاطر، كما أن الاحتياجات الحكومية الكبيرة للتمويل قد تحد من قدرة القطاع الخاص على الحصول على الائتمان والاستثمار.

ودعا الصندوق إلى تحسين إدارة الدين والانتقال إلى تمويل أطول أجلا يعتمد على آليات السوق، وتوسيع قاعدة المستثمرين وتعميق سوق الدين المحلية، مع تنفيذ سياسة ملكية الدولة وبرنامج التخارج من الأصول بصورة أكثر حسمًا وتحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وزيادة المنافسة.

وقال أبو الفتوح إن تعزيز موارد العملة الأجنبية يتطلب زيادة الصادرات وتوطين الصناعة وزيادة المشروعات وفرص العمل، فضلا عن دعم موارد قناة السويس وتحويلات المصريين العاملين بالخارج والسياحة والاستثمار، بما يزيد قدرة الاقتصاد على تمويل احتياجاته من موارده الذاتية ويقلل الحاجة إلى التمويل الخارجي.

وتستعد الحكومة المصرية لإعداد برنامج اقتصادي وطني لمرحلة ما بعد برنامج صندوق النقد، يتضمن خارطة طريق حتى عام 2030، فيما تعتزم عقد مؤتمر اقتصادي في أكتوبر/تشرين الأول المقبل لعرض ما تحقق خلال السنوات الماضية ومناقشة التحديات الحالية والرؤية المستقبلية للاقتصاد.

المصدر: شبكة سي ان ان عربية

Exit mobile version