
مقال بقلم عبيدة نفاع، محرر الشؤون الرياضية في CNN بالعربية.
(CNN) – يختلف المشهد الخاص بكريستيانو رونالدو في البرتغال عن ذلك الذي يعيشه ليونيل ميسي في الأرجنتين، فبعد أن تقاسم النجمان السيطرة على المسرح الكروي العالمي على مدار أكثر من 15 عامًا، يقترب كل منهما من كتابة الفصل الأخير في مسيرته الكروية مع منتخبه على الأقل، ولكن بين الفوضى والتقدير، يتباين المشهدان في لشبونة وبوينس أيرس، فما الأسباب؟
تستعد الأرجنتين وجمهورها العاشق لكرة القدم، لليلة تاريخية تحتفي بها بلاد الفضة بنجمها الذهبي الذي أعادها للتربع على عرش العالم بعد عقود من الغياب.
وستقام المباراة الأخيرة لليونيل ميسي بقميص الأرجنتين في 7 أكتوبر/تشرين الأول الجاري أمام منتخب بنين على أرضية ستاد مونيومينتال في بوينس أيرس.
وفي الوقت الذي يستعد فيه الاتحاد الأرجنتيني لإقامة المباراة التاريخية ودعوة أبطال كأس العالم 2022 وعائلاتهم للاحتفال مع قائدهم بليلة الوداع، سيكون ميسي أحد المنافسين الشرسين على لقب الكرة الذهبية لسنة 2026 وهو بسن الـ39 عامًا نظرًا لتألقه اللافت في كأس العالم الأخير.
يبدو المشهد مختلفًا تمامًا في معسكر منتخب البرتغال، إذ غادر رونالدو معسكر الفريق قبيل مباراة البرتغال أمام الدنمارك والتي انتهت بفوز البرتغال برباعية مقابل هدفين الخميس، بسبب عدم رضاه عن تصريحات مدربه جورجي جيسيوس في المؤتمر الصحفي الذي سبق المباراة.
ضربت هذه العاصفة استقرار العلاقة بين رونالدو ومنتخب بلاده بقوة، ومن غير المؤكد بعد ما إذا كان كريستيانو سيرتدي قميص البرتغال مجدّدًا تحت قيادة المدرب الحالي.
ولم يقدم رونالدو صاحب الـ41 عامًا بطولة كأس عالم ناجحة مع منتخب بلاده الذي ودع المونديال من دور الـ16، كما أنه لم ينجح في هز الشباك بمباراة بلاده الأولى في دوري الأمم الأوروبية أمام ويلز والتي استُبدل فيها عند الدقيقة 67، ولم يشارك في المباراة التالية أمام النرويج وهو ما أشعل أزمة بينه وبين مدربه.
تختلف طبيعة لاعبي البرتغال عن طبيعة لاعبي الأرجنتين، كما تختلف عقلية الجماهير الأرجنتينية عن نظيرتها البرتغالية.
ففي الثقافة الكروية اللاتينية عمومًا والأرجنتينية على وجه الخصوص، تلتف الجماهير واللاعبين خلف “القائد” أو النجم الأول في المنتخب، وقد سرت هذه الثقافة منذ عهد دييغو أرماندو مارادونا عام 1986 وماريو كيمبس صانع إنجاز مونديال عام 1978 وصولًا إلى ميسي مهندس إنجاز 2022.
ورغم الانتقادات التي تلقاها ميسي على مدار سنوات مع منتخب الأرجنتين من جماهير منتخب بلاده إلا أن تحقيقه لقب “كوبا أمريكا” مرتين وكأس العالم مرة جعل الجميع في بلاد التانغو ينصبه ملكًا للعبة في بلاده ووريثًا شرعيُّا لإرث كيمبس ومارادونا، فالتف جميع لاعبي الأرجنتين والجماهير خلفه.
بالمقابل، لم تعتد البرتغال على النجم الأوحد، فمنذ أوزيبيو في ستينيات القرن الماضي، لم ينجح أي لاعب برتغالي بقيادة البرتغال نحو إنجاز يجعل الجميع يلتف حوله حتى قدوم رونالدو.
ورغم تحقيق البرتغال للقب كأس أمم أوروبا 2016 وبطولتين في دوري الأمم الأوروبية، إلا أن جماهير البرتغال ولاعبيها لم ينصبوا رونالدو قائدًا يجب على الجميع الالتفاف حوله، وربما يعود ذلك إلى عدم تحقيق لقب كأس العالم الذي كان سيكون له مفعول السحر على صورة رونالدو في أذهان جماهير منتخب بلاده.
استفاد النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي من عدم وجود الكثير من النجوم في في منتخب الأرجنتين في الجيل الذي حقق معه الألقاب بين عامي 2021 و2026، فعندما كان لدى منتخب الأرجنتين الكثير من النجوم مثل سيرجيو أغويرو وكارلوس تيفيز وغونزالو هيغوايين وغيرهم، لم ينجح ميسي في الوصول إلى القمة مع “التانغو”.
ولعل انصهار لاعبي الأرجنتين بنجومية ميسي جعلتهم مستعدين للتضحية والقتال والقيام بكل العمل البدني المطلوب لتوفير أفضل الظروف له كي يتفرغ للأدوار الهجومية التي لا يضاهيه فيها لاعب في العالم، وذلك ليس فقط لأنهم يحبونه ويقدرونه بل لأنهم يعلمون أنه قادر على صناعة مسيرة عظيمة لكل منهم وقيادتهم نحو الإنجاز إذا قاموا بالتضحية البدنية من أجله.
وربما يلعب دور ميسي وخصائصه الكروية دورًا مهمّا في هذا الأمر، إذ إنه هو الموكل بالمراوغة والصناعة والتسجيل، وليس مهاجمًا صريحًا يحتاج للاعبين يوفرون له التمريرات الحاسمة داخل منطقة الجزاء كما هو الحال مع كريستيانو.
على الضفة الأخرى، نجح رونالدو بتحقيق لقبه الأهم مع البرتغال في يورو 2016 مع جيل ربما يعد الأقل على صعيد النجومية في تاريخ “برازيل أوروبا”، وربما توضح هذه الحقيقة سبب معاناة رونالدو مع الجيل الحالي.
فبعد إنجاز عام 2016، ظهر جيل مختلف تمامًا في البرتغال مكون من الكثير من النجوم في أنديتهم مثل برونو فيرنانديز وفيتينيا وروبن دياز ونونو مينديش وغيرهم.
ومع وجود كل تلك النجوم، يصبح من الصعب على لاعب التضحية من أجل الآخر أو القبول بأن يكون في ظل غيره مهما كان الاسم أو التاريخ أو الإنجاز.
ترى بعض الجماهير بأن تأثير ميسي مع منتخب الأرجنتيني في البطولات التي تحققت فيها الإنجازات كانت كبيرة جدًّا ولا يمكن تجاوزها، فقد ساهم بـ10 أهداف في كأس العالم 2022 منها هدفين في النهائي، بين تسجيل وصناعة كما ساهم بـ12 هدفًا في نسخة 2026 التي قاد فيها “التانغو” للمباراة النهائية بعمر الـ39 عامًا.
وفي ظل هذه الأرقام، تظهر مساهمات رونالدو التهديفية في يورو 2016 أقل قليلًا إذ ساهم بـ6 أهداف بين صناعة وتسجيل في يورو 2016 كما أنه لم يترك بصمة في النهائي الذي غادره مبكرًا بسبب الإصابة، إلى جانب عدم نجاحه في قيادة البرتغال لأدوار متقدمة في المونديال إذ لم يسجل سوى هدف وحيد في الأدوار الإقصائية لكأس العالم رغم مشاركته في 6 نسخ متتالية.
ورغم كل تلك الأسباب، لا يمكن أن ينهي رونالدو مشواره الطويل والحافل مع منتخب بلاده دون مباراة وداعية تليق بمسيرته وبما قدمه حين يقرر الاعتزال الدولي.
فرغم الخلاقات التي تطفو على السطح، ستهدأ العواصف وسيحظى رونالدو بما يستحق من حب وتقدير من جانب الجماهير التي لطالما أسعدها لسنوات طويلة.
في المقابل، سيخرج “ملك الأرجنتين” ليونيل، من الباب الواسع بعد أيام قليلة وسيؤدي رقصة “التانغو” الأخيرة لينهي حقبة أسطورية ويفسح المجال أمام جيل جديد سيحاول الحفاظ على إرثه وقيادة الأرجنتين نحو المجد مجدّدًا.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية