
عمّان، الأردن (CNN)– تجلس اللاجئة السورية نورس حريري في عمّان، بين أمهات يحملن قصصًا تشبه قصتها؛ نساء فرّقهن الفقد القسري عن أبنائهن وأقاربهن، لكن السنوات لم تدفعهن إلى التوقف عن السؤال عنهم. لكل واحدة منهن حكاية وصورة وذكرى لشخص غاب، من دون أن تعرف عائلته مصيره حتى الآن في سوريا.
بدأت رحلة نورس عام 2012، عندما اقتاد عناصر النظام السابق ابنيها مناف وأحمد من أمام منزل الأسرة في درعا إلى وجهة غير معلومة ومصير مجهول بحسبها. وبعد سنوات مضنية من البحث، لجأت إلى الأردن عام 2016 برفقة أبنائها الخمسة الآخرين، واستمرت في متابعة البحث عن ابنيها عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، محتفظة بصورهما ورسالة ودفتر وبعض مقتنياتهما.
وتستذكر نورس تفاصيل تلك المأساة قائلة: “فقدت زوجي في وقت مبكر في العام 1997، ولجأت إلى الأردن في العام 2016 برفقة أبنائي الخمسة الآخرين، بعد اختطاف مناف وأحمد من أمام منزلنا في درعا في 21 آب/أغسطس 2012، وكانت يومها وقفة العيد”.
وتابعت نورس: “منذ ذلك الوقت وأنا أبحث عنهما، ولم أترك فرعًا أمنيًا إلا وبحثت فيه ودفعت مبالغ دون جدوى. كان عمر مناف حينها 34 عامًا وأحمد 22 عامًا”، مؤكدة تمسكها بالبحث في حديثها مع CNN بالعربية، خلال إحياء اللجنة الدولية للصليب الأحمر في الأردن مؤخرا، اليوم العالمي للمفقودين، بمشاركة عائلات سورية لاجئة فقدت أبناءها في سوريا.
ودفع تكرار توقيف نورس على الحواجز الأمنية في سوريا إلى اللجوء للأردن، خشية على أفراد آخرين من عائلتها، مشيرة إلى أنها قدمت إلى الأردن برفقة أربع بنات وابن واحد، قبل أن يعودوا جميعًا إلى سوريا بعد التحرير، فيما لا تزال هي تتهيأ للعودة.
وأردفت: “كان لدينا أمل بعد التحرير أن يظهر أولادي، وكثير من الأمهات السوريات في الأردن فقدن أفرادًا من عائلاتهن، ورغم أننا لم نعرف شيئًا عنهما للآن، إلا أنني لا أتقبل الموضوع، وقلبي يحدثني أنني سأعرف عنهما شيئًا”.
هذا الفقد دفع نورس أيضا، إلى الانخراط في برنامج الترابط العائلي لدعم لاجئات سوريات أخريات نفسيًا واجتماعيًا ممن يعشن التجربة ذاتها مؤكدة أن الدعم الذي تلقته في الأردن خفف عنها ألم الغياب وساهم في صمودها.
الفن والدعم النفسي مساحة للقاء
وخلال إحياء اليوم العالمي للمفقودين الذي حضرته الأميرة بسمة بنت طلال، تجمعت الأمهات السوريات حول معرض للأعمال الفنية التي شاركن في إعدادها، وحول ذكريات المفقودين التي حملتها تلك الأعمال، التي شكلت مساحة آمنة لهن نساء ومشاركة حيّة لتجربة الانتظار وتبادل الدعم في مواجهة سنوات طويلة لم تحمل إجابات عن مصير أحبائهن.
وشاركت نورس مع أمهات سوريات أخريات في إنجاز بعض تلك الأعمال ضمن برامج اللجنة للدعم النفسي، من بينها معلقة منسوجة تعبّر عن الفقد ومشاعر الأمهات، محفورة بعبارة “كل غرزة بدمعة”، بمشاركة 7 سيدات سوريات.
ولا تزال نورس، كغيرها من الأمهات السوريات، تحتفظ بما تبقى لديها من مقتنيات ابنيها؛ بينها هاتف ومسواك وصور لمناف (من بينها صور من الصف التاسع)، ورسالة بخط يده، إضافة إلى دفتر يحتوي على ذكريات من الصف السادس لمناف، إذ عرضت هذه المقتنيات ضمن مقتنيات أخرى لمفقودين في المعرض الخاص الذي أقيم بهذا اليوم.
وعُرضت هذه المقتنيات للمفقودين، في إحدى عربات خط سكة الحديد الحجازي في محطة انطلاقه بعمّان الذي احتضن يوم الإحياء والتكريم لهن، ضمن رحلة امتدت عبر 4 محطات، وقُدمت المقتنيات بإخراج “سينوغرافي” يجسد رحلة العائلات السورية منذ لجوئها إلى الأردن وحتى اليوم، وما حملته السنوات من فقد وانتقال وتغيرات في حياة الأسر، فيما ظل مصير بعض أفرادها مجهولًا.
أما المحطة الأخيرة، فخُصصت لعرض أعمال فنية ويدوية أنجزها أهالي المفقودين، من بينها وجوه مصممة من الأحجار، تمثل وجوه آلاف النساء اللواتي توقفت حياتهن إثر اختفاء أحد أحبائهن.
ملف المفقودين
من جهتها، قالت مديرة قسم الإعلام والاتصال في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مكتب الأردن، رفاه الحديدي، بأن اليوم العالمي للمفقودين يمثل فرصة لتسليط الضوء على هذه القضية ومعاناة مئات آلاف العائلات التي فقدت أحباءها خلال النزاعات المسلحة وحالات العنف الأخرى.
وذكرت الحديدي لموقع CNN بالعربية أن المناسبة تتيح التذكير بحق عائلات المفقودين في معرفة ما حدث لأحبائها، إلى جانب التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والإدارية التي تواجهها هذه العائلات، لا سيما إن كان المفقود هو الزوج أو الأب، مما يترك أثرًا بالغًا على الأسرة.
وشددت على أهمية تلبية احتياجات العائلات من الدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي، مشيرة إلى أن اللجنة في الأردن تتعامل مع نحو 5 آلاف مفقود جرى تسجيل حالاتهم من خلال عائلاتهم، من بينهم 4470 حالة مرتبطة بالنزاع السوري.
وأكدت أن اللجنة تعمل على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهذه العائلات للمساهمة في تخفيف معاناتها وتعزيز صمودها، موضحة أنه منذ عام 2020، جرى دعم أكثر من 693 عائلة نفسياً واجتماعياً، إلى جانب دعم أكثر من 1043 حالة عبر مبادرات اقتصادية تمكّنها من مواصلة حياتها.
وفيما يخص متابعة الملف بالتزامن مع التطورات الأخيرة في سوريا، لفتت الحديدي إلى أن اللجنة بناء على طلب الأهالي السوريين، تشارك أسماء المفقودين مع الجهات المعنية وتتواصل معها، مبينة أن التواصل يكون وثيقاً خلال زيارات اللجنة لأماكن الاحتجاز بهدف الوصول إلى إجابات وتحديد أماكن وجود المفقودين، مع التأكيد على مشاركة أي معلومات جديدة مع عائلاتهم حصرياً.
محطات الرحلة
وفي السياق ذاته، قالت المصورة الفوتوغرافية، ليندا خوري، إن فكرة معرض “الرحلة” في خط الحديد الحجازي، تقوم على تجسيد 4 مراحل مرت بها عائلات المفقودين عبر رحلة داخل القطار، بحيث تعكس كل مرحلة جانباً من معاناتهن.
وأوضحت خوري، مصممة السينوغرافيا للمعرض، أن المرحلة الأولى تجسد حالة الفقدان نفسها، لذا تطلب الأمر عرض مقتنيات حقيقية لأشخاص مفقودين قدمها الأهالي تعاوناً مع فريق المعرض.
وبيّنت خوري لموقع CNN بالعربية أن أسلوب عرض المقتنيات شكّل جزءاً جوهرياً من الفكرة، حرصاً على الخصوصية وتجنباً لوضع أسماء أو معلومات تكشف هوية أصحابها، لتبقى رمزاً لكل المفقودين.
وأضافت أن القطعة، رغم بساطتها المادية، تمثل لعائلة المفقود كل ما تبقى منه، ولذلك تعامل معها الفريق بطريقة تمنحها قيمتها الرمزية العميقة، ولتحقيق ذلك، جرى استخدام إضاءة خافضة ومركزة على المقتنيات الموضوعة على طاولة تشبه طاولات المنازل، وغُطيت بالزجاج لعزلها وحمايتها وتحويلها إلى ما يشبه القطعة المتحفية.
وتمضي الرحلة إلى محطتها الثانية المتمثلة في الهجرة عبر ممر يعبره الزائر، تليها المرحلة الثالثة المعنية بالظروف المعيشية والاقتصادية، والتي عبرت عنها اقتباسات معلقة بعشوائية تعكس حالة التخبط ووطأة الواقع، فيما تقف الرحلة عند المحطة الرابعة الخاصة بالتأقلم والتكيف ومحاولة تجاوز المحنة، والتي جُسدت عبر أعمال فنية أنجزها أصحاب التجربة بأنفسهم.
ولفتت خوري، إلى أن المعرض لا يروي قصة العائلات من الخارج، بل يتيح لها سرد حكاياتها بلسانها عبر فنونها ومقتنياتها وما عبرت عنه طوال مراحل العمل.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية





