
قال التقرير الأسبوعي لشركة «الشال» للاستشارات إن دول مجلس التعاون الخليجي، لم تكن طرفاً في الحرب الدائرة في إقليمها، فهي فوجئت ببدئها ولم تشارك فيها، ورغم ذلك هي من أعلى من دفع ثمنها، عدواناً عسكرياً واقتصادياً ومالياً، فمن المقدر أن يخسر ناتجها المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية مجتمعة نحو -2.8% مقارنة بمستواه في عام 2025، وتلك تقديرات قديمة لصندوق النقد الدولي. في التفاصيل، إن إطالة أمد سخونة الأحداث سوف يرفع واقع خسارة ناتجها المحلي الإجمالي عن المستوى المذكور، وخسارة ماليتها العامة ربما أكبر نتيجة الأثر الذي يتركه إغلاق مضيق هرمز على صادراتها من النفط والغاز والبتروكيماويات. وفي تاريخ عالمنا المعاصر، هناك الكثير من الأمثلة التي حولت معاناة الأزمات إلى مشروعات نهوض تحتذى، ذلك حدث لليابان وألمانيا بعد الحرب العظمى الثانية، وحدث للصين بعد مؤشرات بدء تفكك المعسكر الاشتراكي، وحدث لفيتنام بعد حربها مع أميركا، والأمثلة كثيرة.الخسائر تأتي نتيجة الأثر الذي يتركه إغلاق «هرمز» على صادرات الخليج من النفط والغاز والبتروكيماوياتدروس الحربوواضح من دروس الحرب الحالية أن دول مجلس التعاون الخليجي كان من الممكن أن يكون موقفها التفاوضي أقوى بكثير، ولم تكن لها حاجة للحماية، وقد لا يجرؤ أحد على الاعتداء عليها لو أنها دخلت في شكل من أشكال الاتحاد مماثل أو قريب من نموذج الولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا العظمى أو الإمارات العربية المتحدة. ولأن اهتمام تقريرنا هو البعد الاقتصادي والمالي، وهو في عالمنا المعاصر أهم عناصر القوة، سوف نمضي مع افتراض تحقق مشروع الاتحاد وكيف يمكن أن يحول تلك المنظومة إلى قوة إقليمية عظمى.وبين «الشال» أنه سوف يخصص ما تبقى من هذه الفقرة للشق الاقتصادي المقارن لحجم اقتصادها ومواردها الطبيعية لو تم احتسابها موحدة، ونخصص فقرة ثانية لوضعها المالي وسكانها ومساحتها، فلديها حالياً اقتصاد واحد ضمن مجموعة أكبر 20 اقتصاد في العالم ويحتل المرتبة 19، وهو الاقتصاد السعودي، ولو أصبحت ضمن اقتصاد موحد، فسوف يتغير موقع اقتصادها. حجم الاقتصاد المجمع لدول التعاون الخليجي 2.381 تريليون دولارحجم الاقتصادات وإذا استثنينا العام الحالي، أو عام 2026 لأنه عام استثنائي بسبب الحرب الدائرة في الإقليم، بلغ حجم الاقتصاد السعودي – الناتج المحلي الإجمالي – في عام 2025 نحو 1277 مليار دولار أميركي (1.277 تريليون دولار)، والإماراتي نحو 571.6 مليار دولار، والقطري نحو 221.2 مليار دولار، والكويتي 157.8 مليار دولار، والعُماني 106.1 مليارات، والبحريني نحو 47.5 ملياراً.وذلك يعني أن حجم الاقتصاد المجمع لدول مجلس التعاون الخليجي الست سوف يصبح 2381 مليار دولار (2.381 تريليون دولار)، ذلك يرتقي في ترتيبه إلى الموقع التاسع في العالم، أي أكبر من الاقتصاد الكندي وقريب من الاقتصاد الروسي.احتياطيات دول الخليج من النفط 528 مليار برميل كأكبر حاضنة لأعلى احتياطات النفط في العالماحتياطات النفط وترتقي الدول الخليجية مجتمعة بحجم احتياطياتها من النفط إلى 528 مليار برميل، لتصبح، بفارق كبير، أكبر حاضنة لأعلى احتياطات النفط في العالم، كذلك احتلالها المرتبة الأولى في احتياطيات الغاز في العالم بنحو 1380 تريليون قدم مكعبة، أي 20.8% من حجم الاحتياط العالمي، متقدمة بفارق ضئيل على روسيا صاحبة الـ 1321 تريليون قدم مكعبة، وإيران صاحبة الـ 1134 تريليون قدم مكعبة. وليس الحاضر فقط هو المهم، ولكن، الاتحاد بين الدول الست سوف يعني التوسع في تبادل المنافع والخبرات واتساع الأسواق ما يوطن الكثير من رؤوس الأموال المحلية ويجذب الاستثمارات الأجنبية ويرفع المعدلات المحتملة لنمو الاقتصاد الخليجي الموحد بأعلى من كثير من اقتصاداته منفردة ومن الاقتصادات التي تسبقه حالياً في حجمها ما يجعله يتقدم في الترتيب، وقوة الاقتصاد أفضل ورقة للتفاوض وورقة ردع. كتلة المدخرات
في السياق، تشير الأرقام المنشورة لمعهد الصناديق السيادية إلى أن كتلة المدخرات المالية للدول الخليجية الست ربما تضعها في أول الترتيب من حيث القيمة في العالم، وقد لا تكون كل مدخراتها ضمن المعلن من الأرقام. وتتقدم الإمارات العربية المتحدة قيمة الصناديق السيادية للدول الست بإجمالي القيمة لصناديقها البالغة 1.649 تريليون دولار، تليها الكويت بنحو 924 ملياراً، ثم السعودية بنحو 913 ملياراً، ثم قطر بنحو 600 مليار، ثم عُمان بنحو 60 ملياراً، ثم البحرين بنحو 18 ملياراً، أي بمجموع بحدود 4.164 تريليونات دولار. وصحيح أن تلك الأموال لن توضع تحت إدارة سلطة موحدة، وتبقى سيادية لكل دولة، لكن، ببعض التنسيق يمكن أن تملك قوة تفاوضية كبرى. والمقصود بالتنسيق هنا في مثل حال التلويح بالاستثمار في هذا البلد أو حجبه لاعتبارات سياسية أو اقتصادية، أو بالحصول على أفضل الشروط من استثمارات مشتركة، وتحديداً في التقنيات الحديثة، أو حتى بالتوافق على توجيه مشترك للاستثمار في الداخل لمشروعات ضخمة منافسة لتلك التي تبنى في الاقتصادات الكبرى.4.164 تريليونات دولار كتلة المدخرات المالية للدول الستخصائص السكانوتتفاوت خصائص السكان فيها عدداً وتركيبة، أعلى عدد سكان في السعودية ويقدر بنحو 35.3 مليون نسمة، ثم الإمارات بنحو 11.6 مليون نسمة، ثم عُمان بنحو 5.4 ملايين نسمة، ثم الكويت بنحو 5.3 ملايين نسمة، ثم قطر بنحو 3.2 ملايين نسمة، ثم البحرين بنحو 1.7 مليون نسمة.ومجموع السكان للدول الست يبلغ 62.5 مليون نسمة، وهو ليس أقل كثيراً من أعلى دول الإقليم سكاناً، أو إيران، صاحبة الـ 92 مليون نسمة، لكنه في منظومة دول أكثر تقدماً ما يعوض أي فارق في العدد.أولى مزايا الاتحاد هي أنه سوف يعدل تركيبة السكان للكيان الموحد لتصبح 57.2% مواطنة، وذلك يعالج هاجس أمني للدول الصغيرة ضمنه التي تفوق فيها أعداد غير المواطنين أعداد مواطنيها، وإن أتاح الاتحاد حرية الانتقال للعمالة من دولة إلى أخرى، فسوف تتلاشى تقريباً مشكلة الفائض والعجز في صنوف العمل المختلفة بينها، وتهبط معدلات البطالة في الاقتصاد الكلي. وإن أدى الاتحاد، كما ذكرنا، إلى تفعيل النشاط الاقتصادي المشترك بشكل أقوى، يتحول السكان بعدده الكبير إلى قوة دافعة في نهوض الاقتصاد وليس إلى عبء عليه كما في حالة الصين قبل وبعد عام 1979.جغرافية الإقليم من الناحية الجغرافية، تحتل دول مجلس التعاون الست مساحة إجمالية تقارب 2.6 مليون كيلومتر مربع، تتفاوت في توزيعاتها بين الدول تفاوتاً كبيراً. تستحوذ السعودية على النصيب الأكبر بمساحة تقدر بنحو 2.15 مليون كيلومتر مربع، تليها عُمان بنحو 309.5 آلاف كيلومتر مربع، ثم الإمارات بنحو 83.6 ألف كيلومتر مربع، ثم الكويت بنحو 17.8 ألفاً، ثم قطر بنحو 11.6 ألفاً، وأخيراً البحرين بنحو 780 كيلومتراً مربعاً. وبينما لا تتجاوز مساهمة سكانها 0.7% من عدد سكان العالم، تبلغ مساحتها ما يعادل 6.8% من مساحة اليابسة في العالم، وتشكل مساحة دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة نحو 25.3% من مساحة كل أوروبا، وتفوق المساحة الإجمالية لدول المجلس أربع اقتصادات في أوروبا الغربية زائداً المملكة المتحدة، ألمانيا ثالث اقتصادات العالم والمملكة المتحدة سادس اقتصاداته، وفرنسا السابعة وإيطاليا الثامنة وإسبانيا الثاني عشر، (نحو 1.93 مليون كيلومتر مربع مجتمعة). ومع ذلك، ثروة تلك الدول الخمس تخص سكان يقارب عددهم 327.1 مليون نسمة، أي نحو 5.15 أضعاف عدد سكان دول الخليج الست البالغ نحو 62.5 مليون نسمة كما ذكرنا سابقاً.حلم وواقع ويجب أن نقر بأنه تحليل أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع، وقد لا يتحقق، لكنه ليس حلماً مستحيلاً، حتى لو كان سابقاً مجرد حلم بعيد المنال، الأحداث الأخيرة وتغير النظام العالمي حتى الآن، وجذرياً لما هو قادم، قد يردم جزءاً من الفجوة بين الحلم والواقع لمصلحة الحلم. ففي عالمنا الجديد القادم، لا مكان للضعيف، والتفوق فيه لابد وأن يكون على حسابه لا لمصلحته، ذلك ما حدث بعد الحرب العظمى الأولى – سايكس بيكو مثلاً –، وذلك ما حدث بعد الحرب العظمى الثانية واقتسام المنتصرين مناطق نفوذهم على حساب بقية العالم.
المصدر: جريدة الجريدة الكويتية





