
(CNN)– بدأ الأمر بتدفق فقاعات صاعدة إلى السطح في بحر البلطيق، فبعد مرور 7 أشهر على الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وقعت انفجارات دمرت خطي أنابيب الغاز “نورد ستريم” -وهما شريان الغاز الروسي المثير للجدل نحو أوروبا- في المياه الواقعة بين السويد وبولندا.
وسارع محققون من عدة دول لتحديد الجهة المسؤولة، وتوجهت أصابع الاتهام فوراً نحو روسيا. لكن لاحقاً، أُلقي القبض على مواطنين أوكرانيين، مما أثار تساؤلات حول احتمال تورط الدولة وشكّل اختباراً لولاء بعض حلفاء كييف الأوروبيين.
ومن المقرر أن يمثل أحدهما للمحاكمة في ألمانيا، الأربعاء، بتهمة التورط في واحدة من أكبر عمليات التخريب -وأكثرها غموضاً- في التاريخ الحديث؛ وهو ينفي ارتكاب أي مخالفة، كما نفت أوكرانيا أي تورط لها في الحادثة.
ما هو خط أنابيب “نورد ستريم” وما الذي حدث؟
يُعد خطا “نورد ستريم 1″ و”نورد ستريم 2” مسارين رئيسيين لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر ألمانيا.
وتعود ملكية هذه الخطوط لشركة “نورد ستريم إيه جي” -التي تُعد شركة الغاز الروسية “غازبروم” المساهم الأكبر فيها- وقد أثارت هذه الخطوط جدلاً واسعاً حتى قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى المخاوف المتعلقة باعتماد أوروبا على الهيدروكربونات الروسية منخفضة التكلفة.
وأُعلن عن مشروع “نورد ستريم 1” عام 1997 – حين كانت العلاقات بين الغرب وروسيا في حقبة ما بعد الاتحاد السوفييتي تتسم بالهدوء النسبي – ودخل حيز التشغيل عام 2011. أما مشروع “نورد ستريم 2” الشقيق، فقد اكتمل بناؤه في سبتمبر 2021 لكنه لم يدخل الخدمة قط؛ إذ علّقت ألمانيا العمل به قبل أيام من غزو موسكو لأوكرانيا.
وفي أواخر سبتمبر 2022، مزّقت انفجارات خطي الأنابيب بالقرب من جزيرة بورنهولم الدنماركية، مما أدى إلى انبعاث سحب من الغاز في المياه المحيطة وإطلاق تحقيق عابر للحدود.
كيف جرت مجريات التحقيق؟
كانت السويد أول دولة تدق ناقوس الخطر بشأن عمليات التسرب.
وأشار بعض الخبراء آنذاك إلى احتمال أن يكون السبب خللاً فنياً، إلا أن قادة العديد من الدول الغربية سارعوا إلى ترجيح فرضية التخريب.
وبعد مرور شهرين على الواقعة، أعلن الادعاء العام السويدي أن الحادث كان نتيجة “عمل تخريبي جسيم”، مشيراً إلى العثور على “آثار متفجرات” في موقع الحادث.
ورغم أن أياً من خطي الأنابيب لم يكن قيد التشغيل وقت الهجوم، إلا أنهما كانا لا يزالان يحتويان على غاز مضغوط؛ ونتيجة لذلك، رجح خبراء تسرب كميات “غير مسبوقة” من الغازات الدفيئة إلى الغلاف الجوي.
وقد كُلفت عدة جهات بالتحقيق في الهجوم، بما في ذلك السلطات الأمنية في ألمانيا والدنمارك ودول إسكندنافية أخرى، في حين تعهد مسؤولون أوروبيون برد حازم.
صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بأن أي عمل متعمد لتعطيل البنية التحتية للطاقة في أوروبا يُعد “أمراً غير مقبول”، وسيؤدي إلى “أقوى رد ممكن”.
وكانت ألمانيا، على وجه الخصوص، حريصة على مثول الجناة المزعومين أمام العدالة، وفي عام 2024 أصدرت السلطات هناك مذكرة توقيف دولية بحق رجل أوكراني يُشتبه في تورطه في الأمر.
ومنذ ذلك الحين، أُلقي القبض على رجلين أوكرانيين بسبب دورهما المزعوم في الهجمات التي استهدفت خط الأنابيب.
وأغلقت كل من الدنمارك والسويد تحقيقاتهما الجنائية بشأن الانفجارات في عام 2024؛ حيث عزت السويد قرارها إلى عدم الاختصاص القضائي، بينما رأت الدنمارك عدم وجود أدلة كافية للمضي قدماً في القضية. وبذلك، أصبحت برلين الدولة الوحيدة التي تواصل تتبع خيوط القضية.
من يمثل أمام المحكمة؟
يُعد سيرغي كوزنيتسوف -وهو جندي أوكراني سابق- المتهم الوحيد في المحاكمة التي تبدأ، الأربعاء في هامبورغ، حيث يُشار إليه باسم “سيرغي ك.” فقط، وذلك تماشياً مع قوانين الخصوصية الألمانية.
وذكر الادعاء العام الألماني أن المتهم “ينتمي إلى مجموعة من الأشخاص قاموا بزرع عبوات ناسفة في خطي أنابيب الغاز ‘نورد ستريم 1′ و’نورد ستريم 2’ بالقرب من جزيرة بورنهولم في سبتمبر 2022”.
ووجه الادعاء اتهامات إلى “سيرغي ك.” بالتواطؤ في ارتكاب “جريمة حرب” تتمثل في مهاجمة أعيان مدنية، وتدمير البنية التحتية، والتسبب في انفجار، وتعطيل المرافق العامة، وذلك وفقاً لوثائق المحكمة.
وتشير وثائق المحكمة إلى اتهامه بـ “العمل نيابة عن سلطات الدولة الأوكرانية” في مخطط مزعوم لتدمير خطوط أنابيب “نورد ستريم”.
وكان محامي الدفاع عنه قد صرح سابقاً لشبكة CNNبأن موكله ينفي ارتكاب أي مخالفة.
وفي عام 2025، ألقت الشرطة الإيطالية القبض على كوزنيتسوف في مدينة ريميني -وهي مدينة تقع شمال إيطاليا وتشتهر بشواطئها الرملية ومعالمها الرومانية- وجرى تسليمه لاحقاً إلى ألمانيا.
ويعتقد الادعاء العام في ألمانيا أن المتهم وشركاءه استخدموا يختاً شراعياً لتنفيذ الهجوم، حيث انطلقوا من ميناء روستوك الواقع في شمال ألمانيا. ويزعم الادعاء أن المركب استُؤجر من شركة ألمانية عبر وسطاء استخدموا وثائق هوية مزورة.
وذكرت وكالة “رويترز” الشهر الماضي بأن الرجل الأوكراني الثاني الذي أُلقي القبض عليه على خلفية التفجير، ويدعى فولوديمير جورافلوف، كان قد احتُجز في كرواتيا في شهر أغسطس، حيث وافقت المحكمة على تسليمه إلى ألمانيا. وأضافت الوكالة أن محاميه انتقد الحكم مشيراً إلى إمكانية الطعن في القرار.
وذكر الادعاء العام الألماني أن هناك “اشتباهاً قوياً” في تورط الرجل في عدة جرائم، تشمل التخريب والتسبب في انفجار والمشاركة في عمليات غوص للوصول إلى خطوط الأنابيب.
سبق أن أُلقي القبض على جورافلوف في بولندا، التي رفضت تسليمه إلى ألمانيا.
ما علاقة ذلك بالحرب الأوسع نطاقاً؟
وقعت الانفجارات في وقتٍ يسوده التوتر في أوروبا، وقد أججت هذه الهجمات الجدل حول اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وسلّطت الضوء على ألمانيا، بصفتها القوة الدافعة لمشروع الغاز، وذلك على خلفية قرار المستشارة السابقة أنجيلا ميركل تبنّي نهجٍ تصالحي تجاه موسكو، رغم عدوانها الأخير على أوكرانيا وجورجيا.
وصرح دونالد توسك، رئيس وزراء بولندا (الحليف الوثيق لأوكرانيا)، في العام الماضي بأن مشكلة أوروبا “لا تكمن في تفجير خط أنابيب ’نورد ستريم 2‘، بل في إنشائه من الأساس”.
ففي وقت مبكر يعود إلى عام 2007، انتقد راديك سيكورسكي -الذي كان يشغل حينها منصب وزير الدفاع البولندي- بشدة خط أنابيب “نورد ستريم 1” (الذي كان قيد الإنشاء آنذاك)، واصفاً إياه بأنه “أكثر محاولات السيد بوتين فجاجةً لشق صف الاتحاد الأوروبي والإضرار به”.
وعندما أُلقي القبض على جورافلوف في بولندا في بادئ الأمر، أصدر قاضٍ حكماً يرفض تسليمه إلى ألمانيا، معللاً ذلك بأن تفجيرات “نورد ستريم” -إذا كانت بالفعل عملاً تخريبياً أوكرانياً- فإنها تُعد رداً مبرراً على غزو غير مبرر.
وفي ظل توقعات مسؤولي المحكمة بأن تستمر المحاكمة حتى شهر فبراير/ شباط من العام المقبل، فيما تأمل ألمانيا ألا تعترض طريقها أي عقبات جديدة، وذلك في سعيها للكشف عن حقيقة هذه القضية الغامضة.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية





