
CNN — مع انطلاق كأس العالم في 11 يونيو/ حزيران، يتزايد الترقب لما ستشهده أكبر نسخة في تاريخ البطولة.وسيشارك 48 منتخبًا في المونديال المقرر إقامته في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتُعد منتخبات فرنسا وإسبانيا وإنجلترا والأرجنتين من أبرز المرشحين للفوز باللقب، إذ تضمّ هذه المنتخبات نجومًا، مثل كيليان مبابي ولامين يامال وهاري كين وليونيل ميسي.لكن إلى جانب التحدي الواضح المتمثل في تقديم مستوى كبير داخل المستطيل الأخضر، سيتعين على المنتخبات أيضاً اجتياز سلسلة من العقبات الّتي تمتد إلى ما هو أبعد من ملعب اللعب.
كما هو الحال في مونديال قطر، ستُقام العديد من المباريات في ظروف جوية حارة، ومع ذلك، وعلى عكس قطر، إذ كانت جميع الملاعب على مسافة قريبة بالسيارة من بعضها البعض، ستكون متطلبات السفر أكبر بكثير، إذ ستُقام المباريات في 16 مدينة تفصل بينها مسافة تصل إلى 2800 ميل.أضف إلى ذلك حقيقة أن البطولة تُقام عبر 4 مناطق زمنية مع 13 موعد انطلاق مختلف وجدول زمني موسع، وسيواجه اللاعبون أيضًا جداول نوم متفاوتة، وزيادة في السفر، وأعباء عمل أثقل بالنسبة للبعض ممن لم يحصلوا على فترة راحة كاملة منذ عام 2023.ونتيجة لذلك، قد لا يكون الفريق الفائز بكأس العالم هو الفريق الأكثر موهبة، بل الفريق الذي يتكيف بشكل أفضل مع مجموعة المتطلبات البدنية واللوجستية للبطولة.درجات الحرارةعلى غرار قطر، تعتبر درجات الحرارة من أكبر المخاوف المتعلقة برفاهية اللاعبين قبل انطلاق المونديال المقبل.في سبتمبر/ أيلول 2025، نشرت المنظمات غير الربحية “Football for Future” و “Common Goal” تقرير المناخ الخاص بالملاعب، وقد وجد أن 10 من أصل 16 ملعبًا للبطولة تواجه “خطرًا كبيرًا جدًا” من الإجهاد الحراري الشديد.وتفاقمت المخاوف الشهر الماضي عندما أرسل 20 خبيرًا دوليًا في الصحة والمناخ والأداء الرياضي رسالة مفتوحة إلى “الفيفا”، واصفين سياستها تجاه درجات الحرارة بأنها “غير كافية”، وحذروا من أنها قد تعرض اللاعبين لخطر الإصابات.وفي بيانٍ لشبكة CNN، أشار “فيفا” إلى دليل الرعاية الطارئة الخاص به، وأكد التزامه بحماية صحة وسلامة جميع اللاعبين والحكام والجماهير والمتطوعين والموظفين. ويتم تقييم المخاطر المتعلقة بالمناخ كجزء من التخطيط الشامل للبطولة، وإدارتها بالتنسيق الوثيق مع المدن المضيفة وسلطات الملاعب والجهات الوطنية.وقال “فيفا”: “تم وضع الجدول الزمني مع مراعاة الاعتبارات المناخية، يوازن جدول المباريات بين المتطلبات الرياضية والتشغيلية والبث مع تقليل السفر إلى الحد الأدنى، وزيادة أيام الراحة إلى الحد الأقصى، ومراعاة خصائص المناخ المحلية والبنية التحتية للملاعب، بناءً على تحليل مخاطر الحرارة الشامل الذي أجراه الاتحاد الدولي لكرة القدم في كل موقع”.وأضاف أنه “حد بشكل استراتيجي” من المباريات الخارجية في أكثر أوقات اليوم حرارة.وتابع: “سيواصل الاتحاد الدولي مراقبة الظروف في الوقت الفعلي، وهو على أهبة الاستعداد لتطبيق بروتوكولات الطوارئ المعمول بها في حال حدوث ظواهر جوية متطرفة”.ولقد برز تأثير الحرارة الشديدة بالفعل في بطولة فرنسا المفتوحة، حيث عانى العديد من كبار اللاعبين في ظروف باريس الحارة. ورغم أن بطولة “رولان غاروس” تُقام على بُعد أكثر من 3000 ميل من أمريكا الشمالية، إلا أنها تُسلط الضوء على الخسائر التي قد تُلحقها درجات الحرارة القصوى بصحة اللاعبين وأدائهم.قال دومينيك راي، أخصائي العلاج الطبيعي للفريق الأول في نادي النصر الإماراتي، حيث تتجاوز درجات الحرارة صيفاً 40 درجة مئوية بانتظام في الإمارات، لشبكة CNN: “هناك ترابط بين الحرارة والترطيب والأداء”.وأكمل: “عندما يزداد الإجهاد البدني، تتأثر أمور مثل اتخاذ القرارات، والصفاء الذهني، والقدرة على بذل جهد بدني كبير”.وستتضمن جميع مباريات كأس العالم البالغ عددها 104 مباريات فترات استراحة إلزامية لشرب الماء، لكن دومينيك راي، يقول إن المنتخبات ستحتاج إلى استراتيجيات أشمل بكثير فيما يتعلق بهذه الاستراحات.وتابع: “إن إدارة وقت اللاعبين أثناء الوقوف وحجم التدريب ستكون بنفس أهمية ترطيب الجسم خلال فترات الاستراحة”.وأكمل: “إذا كنت تعتمد على استراحة شرب الماء كاستراتيجية للترطيب، فأنت مخطئ بالفعل، يبدأ الترطيب في الأسبوع الذي يسبق المباراة، هذا أحد الأشياء التي تعلمتها بشكل كبير عند قدومي إلى الشرق الأوسط”.مسافات سفر شاسعةيُؤدي تنظيم بطولة كأس العالم في 3 دول حتمًا إلى تحديات لوجستية، لذا، وللمساعدة في تخفيف أعباء السفر، قام “فيفا” بتقسيم الفرق إلى مجموعات إقليمية غربية ووسطى وشرقية خلال معظم مراحل دور المجموعات والأدوار الإقصائية المبكرة.ومع ذلك، تمتد ملاعب البطولة الستة عشر على مسافة تقارب 2800 ميل، وللمقارنة، لا تتجاوز مساحة أوروبا 2100 ميل من الشمال إلى الجنوب.من بين المنتخبات المرشحة للفوز، يتمتع المنتخب الفرنسي بجدول مباريات أسهل، حيث يقطع مسافة 334 ميلاً فقط خلال مرحلة المجموعات بين نيوجيرسي وفيلادلفيا وبوسطن، أما المنتخبان الإنجليزي والإسباني فيواجهان عبئاً أكبر بكثير.ستقطع إنجلترا مسافة 1721 ميلاً بين أرلينغتون، ماساتشوستس، ونيوجيرسي، بينما ستقطع إسبانيا مسافة 1469 ميلاً بين أتلانتا وزابوبان في المكسيك.ويُشكّل هذا تناقضًا صارخًا مع مونديال قطر، وهو أمرٌ غير مألوف نسبيًا للعديد من اللاعبين المحترفين في أوروبا، فمن بين 52 لاعبًا اختارهم مدرب إنجلترا، توماس توخيل، ومدرب إسبانياؤ لويس دي لا فوينتي، يُعدّ مهاجم منتخب “الأسود الثلاثة”، إيفان توني، اللاعب الوحيد الذي يلعب حاليًا مع ناديه خارج أوروبا.وقد يكون منتخبا البرازيل والأرجنتين أكثر اعتيادًا على السفر لمسافات طويلة، حيث يسافر العديد من لاعبيهما داخل بلادهم، ومع ذلك، سيقطع منتخب البرازيل مسافة 1094 ميلًا خلال دور المجموعات، بينما يتمتع حامل اللقب، الأرجنتين، بجدول مباريات أسهل، إذ يقطع مسافة 461 ميلًا فقط بين كانساس سيتي ودالاس.ويبقى أن نرى ما إذا كان ذلك سيمثل ميزة لمنتخب الأرجنتين، لأنه كما يؤكد دومينيك راي: “ليس السفر بحد ذاته هو ما يسبب المشاكل، بل عدم القدرة على التدخل بعده”، ويشمل هذا التدخل إدارة جداول التدريب، ومواعيد الوجبات، وفترات الراحة، وجداول النوم.ويقول أخصائي العلاج الطبيعي السابق لنادي أستون فيلا إن السفر جوًا قد يُشكل مشكلة للاعبين الذين يعانون من إصابات.ويضيف: “لقد مررتُ بحالات، حتى في رحلة تستغرق ساعتين لحضور مباراة في دوري أبطال أوروبا، حيث كان أحد اللاعبين يُعاني من إصابة حادة أو مزمنة في الركبة على متن الطائرة، وتورمت ركبته، وكان هذا اللاعب جاهزًا للمشاركة”.وواصل: “لذا، ورغم اعتياد معظم اللاعبين المحترفين على السفر الجوي المتكرر، فهو عامل آخر يتعين على الفرق التعامل معه”.اضطراب مواعيد النومقد يبدو النوم أمرًا بسيطًا ومباشرًا، لكن في كأس العالم الذي يمتد عبر أربع مناطق زمنية مع 13 موعد انطلاق مختلف تتراوح من الظهر إلى منتصف الليل بتوقيت شرق الولايات المتحدة (الساعة 6 مساءً والساعة 6 صباحًا بتوقيت وسط أوروبا)، يصبح النوم أمرًا بالغ الأهمية.ستبدأ قرابة نصف مباريات دور المجموعات البالغ عددها 72 مباراة بين الساعة السابعة مساءً ومنتصف الليل بتوقيت شرق الولايات المتحدة (الواحدة صباحًا والسادسة صباحًا بتوقيت وسط أوروبا)، ما يعني أن العديد من اللاعبين الأوروبيين سيخوضون مبارياتهم في وقت متأخر من الليل، وهو ما يعتبره الجسم عادةً منتصف الليل.فعلى سبيل المثال، سيسافر المنتخب الإسباني، حامل لقب “يورو 2024″، مسافة 1469 ميلًا من أتلانتا إلى زابوبان قبل مواجهة أوروغواي في الثامنة من مساء 26 يونيو/حزيران، بتوقيت شرق الولايات المتحدة (الثانية صباحًا بتوقيت إسبانيا).لم يترك المنتخب الإنجليزي شيئاً للصدفة، إذ أفادت التقارير أنه أحضر “مجموعات نوم” مُخصصة إلى مقره في كانساس سيتي، تشمل أغطية مراتب مُصممة خصيصًا لتناسب بنية جسم كل لاعب، ووسائد تبريد للتخفيف من الحرارة والرطوبة.وقد يبدو الأمر مبالغًا فيه، لكن في بيئة تتسم بضغط هائل، يُمكن أن يتأثر النوم بسهولة، ولا يوجد ضغط أكبر من كأس العالم.يقول دومينيك راي: “النوم هو أهم أداة للتعافي، وإلى جانب الترطيب والتغذية، يجب أن يكون على رأس الأولويات”.وأردف: “هنا يكمن الخطأ الذي ألاحظه لدى العديد من المدربين وأفراد الطاقم الإداري، أياً كان روتين النوم المعتاد الذي اتبعه اللاعب طوال الموسم، عليه الالتزام به خلال المعسكر التدريبي”.وبالطبع، لا يفوز أي فريق بكأس العالم لمجرد امتلاكه استراتيجية نوم شاملة، أو برنامج تدريبي متكامل، أو خطة ترطيب مثالية، فالموهبة والتكتيك والتنفيذ هي الأهم دائمًا.لكن بين المنتخبات المرشحة للفوز، حيث تكون الفوارق ضئيلة أصلاً، قد تصبح هذه التفاصيل حاسمة، خاصةً بعد موسمين سابقين حافلين ببطولات كرة القدم، وهما كأس العالم للأندية 2025، وبطولة أوروبا وكوبا أمريكا 2024.ولكن كما يقول دومينيك راي: “إذا كان لديك فريقان متساويان في القدرات مثل إسبانيا وفرنسا، فإن الفريق الذي يُحسن إدارة هذه الركائز الأساسية سيحظى بأفضلية كبيرة”.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية





