
ما الذي يجعل مشهد “حصان طروادة” في فيلم “الأوديسة” مذهلاً للغاية؟منوعاتنشر السبت، 18 يوليو / تموز 20269 min قراءة(CNN)– عندما تم عرض فيلم “الأوديسة” للمخرج كريستوفر نولان، لأول مرة بنيويورك، في 14 يوليو/ تموز الجاري، انتصب تمثال لحصان يبلغ ارتفاعه قرابة 40 قدماً (حوالي 12 متراً) فوق السجادة الحمراء في مانهاتن. كما جابت تماثيل عملاقة أخرى للخيول أنحاء البلاد (والمملكة المتحدة) للترويج للفيلم، الذي يستخدم أيضاً صورة حصان طروادة الخشبي الشهير في بعض ملصقاته الدعائية. ورغم أن القصيدة اليونانية القديمة الأصلية لا تسرد تفاصيل دقيقة حول أحداث تلك الخدعة الأسطورية الشهيرة، إلا أنها تظل بلا شك رمزاً قوياً لفيلم نولان الجديد، وهو أمر يدرك سببه جيداً المعجبون الذين شاهدوا الفيلم بالفعل.وفي مشهد مؤثر وطويل، يلامس المشاعر بعمق؛ ينقل نولان الجمهور إلى داخل الحصان الخشبي، مصورًا الظروف المرعبة التي عاشها الجنود المختبئون في مكان ضيق، مسلطاً الضوء على توقهم المحموم للانتصار في المعركة.ويُعد هذا المشهد الذي يستمر لدقائق؛ فريداً من نوعه ولا نظير له في الأعمال الفنية العديدة السابقة التي تناولت هذه اللحظة الأسطورية. وقال ماكس نيلسون، الأستاذ المشارك في الدراسات اليونانية والرومانية بجامعة “وندسور” الكندية -والذي درّس مقررات حول تصوير العالم القديم في الأعمال السينمائية- إنه لا يتذكر عملاً آخر حبس الجمهور مع اليونانيين داخل الحصان بمثل هذه الطريقة “القاتمة”، وأضاف: “لم يسبق عرض الظروف القاسية التي واجهها اليونانيون أثناء انتظارهم لأيام داخل حصان طروادة على الشاشة من قبل”.وما يبدو جديداً ومبتكراً بشكل خاص في فيلم نولان هو أنه يقلب المنظور الذي اعتاد عليه الجمهور، وهذا ما أوضحه نيلسون قائلاً: “عادةً ما تُعرض هذه الواقعة من وجهة نظر الطرواديين، الذين يتعين عليهم اتخاذ قرار بشأن ما سيفعلونه بهذا الحصان”.ومن الواضح أن فكرة هذا المشهد كانت تراود نولان منذ فترة طويلة، فقد كان المخرج البريطاني مرتبطاً لفترة وجيزة بمشروع إخراج فيلم “طروادة”، عام 2004، من بطولة براد بيت، قبل أن تُسند مهمة إخراجه إلى فولفغانغ بيترسن. وصرح نولان لمجلة “إمباير” العام الماضي: “لقد كانت الفكرة حاضرة في ذهني لفترة طويلة جداً؛ وتحديداً صور معينة، مثل الكيفية التي أردت بها معالجة مشهد حصان طروادة، وأمور من هذا القبيل”.كما قال في تصريح لصحيفة “الإندبندنت”، مؤخراً، إنه قضى وقتاً طويلاً في التفكير في كيفية تصوير حصان طروادة وجعله يبدو “واقعياً” ومقنعاً للجمهور. وأضاف: “لقد ظلت صورة ذلك الحصان وهو يغوص في الرمال عالقة في ذهني طوال 20 عاماً”.وبالفعل، يبدأ فيلم “الأوديسة” من بطولة مات ديمون، بمشهد قصير يظهر فيه الطرواديون وهم يكتشفون تمثال الحصان، الذي يبدو وكأنه تُرك مهجوراً بين أمواج شاطئ البحر، تماماً كما تخيله نولان، وهنا، يشرح “سينون”، وهو الجندي اليوناني الوحيد الذي بقي في المكان للجنود الطرواديين أن الحصان هو هدية وداع للآلهة من جيشه، الذي يبدو أنه تخلى عن حصاره للمدينة المستمر منذ سنوات.ثم، وفي اللحظة التي نظن فيها أننا سنرافق تلك الهدية المفخخة وهي تدخل عبر بوابات طروادة، ينتقل نولان بالمشهد إلى لقطة أخرى. ولا نعود لرؤية الحصان إلا بعد مرور نحو 45 دقيقة، حين يروي “مينلاوس” لـ”تيليماخوس” تفاصيل اختبائه داخل التمثال بصحبة والد الأخير، “أوديسيوس”، وجنود آخرين.وتأتي الرواية التي نشاهدها على الشاشة مروعة؛ إذ نرى رجالاً يغرقون داخل الحصان خلال موجتي المد والجزر الأوليين، بينما يكافح آخرون للتنفس عبر قصبات هوائية وسط المياه المتصاعدة. ويصف “مينلاوس” كيف اضطر الرجال المكدسون فوق بعضهم البعض في أجواء خانقة الحرارة إلى التبول والتغوط على بعضهم البعض.وعندما يكتشف الطرواديون الحصان؛ يتعين على اليونانيين توخي الحذر الشديد لئلا يصدروا أي صوت وهم يسمعون مقتل “سينون”، ثم يضطرون للصمت التام بينما يختبر أحد الجنود الحصان بطعنه مراراً وتكراراً بالسيف، مما يؤدي إلى إصابة أحد المختبئين بالداخل. ويتم سحب التمثال بواسطة الحبال على يد جنود طرواديين يئنون من ثقل الحمل، قبل أن يُرفع فجأة ليقف منتصباً بجوار معبد مقدس، مما يتسبب في ارتجاج عنيف يزعزع استقرار من بداخله مرة أخرى. على وقع قرع طبول تتسارع وتيرته وتعلو نبرته تدريجياً، نشاهد أخيراً اليونانيين وهم يتسللون خلسةً عبر حبل في جوف الليل، ويقضون على قلة من جنود طروادة المناوبين، ثم يكافحون لفتح بوابات المدينة الضخمة وسط حشود متزايدة من الأعداء.. وفي فيلم يزخر بالعديد من اللحظات الهادئة، يُعد هذا المشهد واحداً من أكثر المشاهد إثارةً.واختلفت صور “حصان طروادة” في الأعمال السابقة اختلافاً كبيراً، فقد ورد تفصيل أحداث الحصان بشكل موسع في ملحمة “الإنيادة” للشاعر فيرجيل، وفي فيلم “Helen of Troy” عام 1956، وفيلم “La guerra di Troia”- “حصان طروادة” عام 1961؛ غالباً ما كان يُصوَّر الحصان وهو يُنقل على عجلات في وضعية قائمة بالفعل. وتخلو تلك الأفلام القديمة من أي لقطات تُظهر ما يدور داخل الحصان، كما أن مشاهد القتال التي تصورها قد تبدو في نظر الجمهور المعاصر، وكأنها تفتقر إلى العنف وتناسب جميع الأعمار، إذ كان: “من الشائع آنذاك تصوير المعارك بأسلوب مسرحي، ودون إراقة دماء” كما قال نيلسون.وفي مسلسلين تلفزيونيين قصيرين تناولا الأسطورة اليونانية القديمة، وهما “الأوديسة” 1997، و”هيلين طروادة” في 2003؛ تظهر لقطات سريعة للجنود المختبئين داخل الحصان، لكن أياً منهما لا يُظهر أي معاناة حقيقية تحدث في الداخل، بل يبدو الحصان مكاناً واسعاً ومريحاً نوعاً ما لانتظار بدء الحصار.ووفقاً لكيم شيلتون، أستاذة الدراسات اليونانية والرومانية القديمة في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، فقد تعددت أساليب تصوير أسطورة حصان طروادة، بدءاً من اللوحات الجدارية الرومانية المبكرة التي تعود للقرن السابع قبل الميلاد، ووصولاً إلى المخطوطات التي تعود للعصور الوسطى، وقالت: “نظراً لكونه عنصراً من عناصر الأسطورة والخيال، لم تكن هناك أبداً نسخة نهائية وموحدة له”، ومع ذلك، أشارت إلى أنه غالباً ما تم تصويره مثبتاً على عجلات منذ العصور القديمة.ومع ذلك، تفضل شيلتون النسخة التي ظهرت في فيلم “طروادة”عام 2004؛ لأن تصميمه المتهالك، المصنوع من خشب متآكل وحبال يوحي بأنه جُمع من بقايا سفن مهجورة، وهي المادة الوحيدة التي كانت متاحة حينها، كما يُظهر في الفيلم عملية نقل الحصان إلى داخل طروادة عبر دحرجته فوق جذوع أشجار، بدلاً من تثبيته على عجلات. ولم يعرض فيلم “طروادة” أي مشاهد من داخل الحصان، إلا أن شيلتون ترى أن اللقطات التي أظهرت عيون الجنود المتربصة في الداخل نجحت في نقل “شعور الخطر المصاحب للتكدس في الداخل ومحاولة عدم الانكشاف”، ومقارنةً بنسخة عام 2004، يبدو تصميم وبنية الحصان لدى نولان أكثر انسيابية ورقيّاً، إلا أن ذلك لا يعني أن التجربة لم تكن شاقة أو خانقة لمن تواجدوا في الداخل، بمن فيهم طاقم التمثيل وفريق العمل.وصرح ديمون لموقع “GamesRadar+” بأنه حين سأل المخرج في اليوم السابق لتصوير المشهد عن كيفية التنفيذ، أجابه المخرج بأنهم سيضطرون فعلياً إلى الارتجال. وقال: “لقد كان درساً حقيقياً.. إذ قال نولان: سنحشر أنفسنا في الداخل ونرى كيف سنتصرف”.واستذكر النجم لحظة دخوله إلى الهيكل برفقة الممثلين الآخرين، ونولان، ومدير التصوير هويت فان هويتيما، قبل الشروع في التنفيذ. وقال ديمون للموقع: “لقد تولد ذلك الشعور بضيق المكان والاختناق بشكل عفوي وتلقائي. ولو أننا خططنا للأمر مسبقاً، فلا أعتقد أنه كان سيحمل تلك الطاقة ذاتها”.أما جون ليغويزامو الذي يؤدي دور “أومايوس” الكفيف، فقد عبّر لصحيفة “هوليوود ريبورتر” عن دهشته البالغة حين علم أن نولان وفان هويتيما قد صعدا إلى داخل الحصان بصحبة نحو 20 ممثلاً وكاميرا “آيماكس”. وقال عن نولان: “لم أستطع تصديق ذلك.. قلت في نفسي: يا للروعة، هذا الرجل قائد حقيقي، فهو لا يطلب منك القيام بأي شيء لا يبادر هو بتجربته بنفسه”.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية





