
(CNN)– على مدى عقد، ظل رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت متورطًا في تحقيق واسع النطاق لوزارة العدل الأمريكية بشأن مخطط معقد لغسيل أموال بمليارات الدولارات، حيث يزعم المدعون العامون الأمريكيون أنه اختلس أموالًا من شركة النفط الحكومية الفنزويلية المعروفة باسم PDVSA.وفي الأشهر الأخيرة، أغلق المدعون الفيدراليون في ميامي تحقيق بيتانكورت بناءً على أوامر من مكتب نائب المدعي العام آنذاك، تود بلانش، وفقًا لما أُبلغوا به، بحسب شخصين مطلعين على الأمر. وجاءت هذه الخطوة في إطار مسعى من جانب مسؤولي البيت الأبيض في عهد ترامب ووزير الخارجية ماركو روبيو لحث بيتانكورت على هندسة صفقة نفطية ضخمة جديدة مع الحكومة الفنزويلية، بحسب المصدرين.بعد سنوات من الفشل في إقناع المدعين العامين في الولايات المتحدة وإسبانيا وسويسرا بالتخلي عن تحقيقاتهم الجنائية ضده، جاءت أكبر فرصة لبيتانكورت بعد أن اقتحم الجيش الأمريكي في يناير/كانون الثاني منزل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كاراكاس ونقله إلى نيويورك لمواجهة تهم تهريب المخدرات.
وفي غضون ساعات، تلقى بيتانكورت اتصالاً هاتفياً، وسعى مسؤولون في الإدارة الأمريكية إلى مساعدته لبدء محادثات مع مسؤولين في حكومة مادورو لا يزالون في السلطة، بقيادة نائبته ديلسي رودريغيز، وفقاً لمصادر مطلعة على صفقة النفط.وفي غضون أسابيع، بدأت ملامح خطة أمريكية لقطاع النفط الفنزويلي تتضح، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن المشروع مؤخراً، حيث ستكون الشركة التي يرأسها بيتانكورت شريكاً لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في خطة يقول ترامب إنها ستضمن سيطرة الولايات المتحدة على 65 مليار برميل من احتياطيات النفط الفنزويلية.وكان بيتانكور أُلقي القبض على في لندن العام الماضي بموجب مذكرة توقيف سويسرية، وفي يناير/ كانون الثاني، أُدرج اسمه في أمر حكومي سويسري بتجميد أصول 37 شخصًا، من بينهم مادورو وأشخاص مرتبطون به، وذلك بدعوى أن السلطات السويسرية تهدف إلى ضمان “عدم إمكانية نقل أي أصول مكتسبة بطرق غير مشروعة خارج سويسرا” في أعقاب اعتقال مادورو.ونفى متحدث باسم وزارة العدل الأمريكية أن يكون بلانش تدخل شخصيًا في القضية، وقال المتحدث: “هذا محض افتراء. لم يتحدث تود بلانش قط عن هذه القضية، أو حتى عن وجودها من الأساس، كما أنه لم يطلب قط إغلاق أي قضية على الإطلاق”.عائلة نفطية ثرية.. وتحقيق استمر لسنواتبنى بيتانكور على مدى سنوات مشروعًا نفطيًا مربحًا من خلال عقود مع الحكومة الفنزويلية، أولًا في عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز ثم مادورو، وهو ما أثار مزاعم بأنه كان جزءًا من شبكة من الفنزويليين الأثرياء، المعروفين شعبيًا باسم “بوليبورغيس” أو “بوليتشيكوس”.وتزعم الولايات المتحدة أن هذه الشبكة ساعدت مادورو وحاشيته على سرقة ملايين الدولارات من ثروة فنزويلا النفطية وغسلها عبر صفقات عقارية في ميامي وحسابات مصرفية في مالطا وسويسرا.ولم يُوجَّه أي اتهام جنائي إلى بيتانكورت لكنه كان شريكًا متواطئًا، لم يُكشف عن اسمه، في بعض المعاملات التي شكلت أساسًا لتوجيه اتهامات ضد أحد أبناء عمومته، الذي كان شريكًا في إحدى شركات بيتانكورت، و وُجِّهت اتهامات إلى عشرة أشخاص في التحقيق الذي استمر لسنوات.ويقول جون سيل، محامي بيتانكورت، إن موكله لم يخالف أي قوانين أمريكية، وهذا هو سبب عدم توجيه أي اتهامات إليه. وركّز المدعون على المعاملات التي تورط فيها بيتانكورت وآخرون، والتي زعمت الحكومة أنها ناتجة عن رشاوى، لكن بيتانكورت لم يكن على علم بمصدر الأموال، كما صرّح سيل لـ CNN في مقابلة هاتفية.وأضاف سيل: “لم يرتكب أي نشاط إجرامي، لقد تورط في بعض المعاملات بحكم تعامله التجاري مع أبناء عمومته. لا يوجد دليل على علمه بأن الأموال مصدرها رشوة، أو أنها مرتبطة بشركة النفط الفنزويلية الحكومية”.وعلى الرغم من التحقيق المطول، أصبح بيتانكورت حجر الزاوية في جهود ترامب للاستحواذ على حصة ضخمة في قطاع النفط الفنزويلي، وهي صفقة مُدبّرة مع النظام الفنزويلي الحالي بقيادة رودريغيز، التي ترأس حكومة تضم العديد من المسؤولين أنفسهم الذين اتهمتهم الولايات المتحدة بالفساد.ودافع روبيو ومسؤولو إدارة ترامب عن العمل مع بيتانكورت رغم مزاعم مساعدته لنظام مادورو في غسل ملايين الدولارات المسروقة من فنزويلا.وقال مسؤول أمريكي رفيع المستوى في اتصال هاتفي مع الصحفيين بالبيت الأبيض، الثلاثاء: “تحققنا من أمره من خلال نظامنا، لا توجد أي تهم موجهة إليه في الولايات المتحدة لانتهاكه أيًا من قوانيننا، وفي الواقع، انطلقت العديد من التحقيقات الأوروبية بشأنه بناءً على بعض المزاعم التي قدمتها الولايات المتحدة.”وفي مقابلة مع المذيع الفنزويلي سيرجيو نوفيللي، نسب روبيو لنفسه الفضل في المساعدة على إبرام الاتفاق مع بيتانكورت، مدافعًا عنه باعتباره شخصًا ذا سجل حافل بالعمل في فنزويلا، وقال: “نُجري تحقيقات دقيقة فيما نعرفه داخل نظامنا”.وأضاف: “من الواضح أنه إذا كان هؤلاء الأفراد قيد التحقيق في الولايات المتحدة، وتأكدنا من ذلك مع جميع السلطات، فلا يوجد أي تحقيق جارٍ ضده ضمن نظامنا”.ولم يذكر روبيو، في المقابلة، أنه لعب دورًا محوريًا في إنهاء التحقيق مع بيتانكور. ووفقًا لشخص مُطّلع على الأمر، ضغط روبيو ومسؤولو البيت الأبيض على مسؤولي وزارة العدل، أولًا في عهد المدعية العامة آنذاك بام بوندي، ومؤخرًا مع بلانش، المدعي العام الحالي، لتمهيد الطريق أمام بيتانكور للعمل مع الولايات المتحدة في صفقة النفط.وتدخّل بلانش عندما كان نائبًا للمدعي العام، بما في ذلك خلال فترة تولي بوندي منصب المدعية العامة.وكان إنهاء التحقيق الأمريكي خطوةً من بين خطوات أخرى؛ تمثّلت خطوة أخرى في تواصل بلانش مع السلطات السويسرية لطلب تعاونها وإسقاط مذكرات التوقيف التي منعت بيتانكور من السفر نظرًا لشروط كفالته التي كانت تقصره على المملكة المتحدة. وأفادت مصادر مطلعة بأن وزارة الخارجية الأمريكية منحت بيتانكورت تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة عدة مرات خلال مراحل إبرام صفقة النفط.وامتنعت وزارة الخارجية عن التعليق، واكتفت بالإشارة إلى تصريحات أدلى بها روبيو ومسؤولون في الإدارة خلال الأيام الماضية.وقال مسؤول في البيت الأبيض لـ CNN: “لقد أبرم الرئيس ترامب أكبر صفقة نفطية في التاريخ، وهي صفقة ستعود بالنفع الكبير على كل من الولايات المتحدة وفنزويلا لسنوات قادمة. تمثل هذه الصفقة التاريخية خطوة هامة نحو استقرار الاقتصاد الفنزويلي بعد سنوات من التضخم المفرط وانعدام الاستثمارات الجديدة تقريبًا، في حين أنها ستضاعف احتياطيات النفط الأمريكية إلى أكثر من الضعف”. وأضاف: “قبل أقل من عام، كانت فنزويلا رهينة لإرهابي مخدرات خطير استغل مواردها الهائلة لإثراء أصدقائه وخصوم أمريكا. واليوم، تسير فنزويلا على طريق التعافي والازدهار، بالتعاون مع الولايات المتحدة والشركات الأمريكية التي تستثمر استثمارات غير مسبوقة في قطاع النفط لديها”.وتبدو هذه الصفقة النفطية مشابهة لصفقة أخرى تعود على الأقل إلى ولاية ترامب الأولى، حيث سعى رودي جولياني، محامي بيتانكور آنذاك ومحامي ترامب لاحقًا، إلى بيع الصفقة للإدارة الأمريكية في 2019، وفقًا لما ذكره ليف بارناس، أحد معاوني جولياني السابقين، والذي أفاد بأنه كان يعمل معه على الصفقة المقترحة، ووُجهت لاحقًا إلى بارناس تهمٌ تتعلق بتمويل الحملات الانتخابية، وأُدين بها.وعمل جولياني على بيع صفقة النفط، بينما كان يضغط على الإدارة لإسقاط التهم الموجهة ضد بيتانكور، كما عمل بشكل منفصل على حثّ المسؤولين الأوكرانيين على التحقيق مع جو بايدن، وفقًا لمصدر مُطّلع.وتزامنت كل هذه الأنشطة التجارية في أواخر 2019.وخلال زيارة قام بها جولياني إلى قصر بيتانكور في إسبانيا، عمل على ترتيب اجتماعات بشأن قضية بيتانكور، كما عقد اجتماعًا منفصلًا في مدريد مع أندريه يرماك، أحد المقربين من فولوديمير زيلينسكي آنذاك، سعيًا منه لبدء تحقيق مع الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن. وقبل أسابيع، طلب ترامب شخصيًا، في مكالمة شهيرة، من الزعيم الأوكراني الإعلان عن تحقيقٍ في قضية فسادٍ مع عائلة بايدن.ووفقًا لبارناس، كانت فكرة صفقة النفط آنذاك تتمحور حول تعاون جولياني مع مسؤولين أمريكيين لإبرام صفقة مماثلة مع مادورو. ويقول بارناس إن بعض شركاء بيتانكورت التجاريين كانوا متورطين في الأمر، وكانت الخطة النهائية تقضي بتنحي مادورو سلميًا والسماح بانتقالٍ سلمي للسلطة في فنزويلا.ولم يُكتب لهذه الخطة النجاح آنذاك، ويعود ذلك جزئيًا إلى سعي مسؤولي إدارة ترامب لتقويض مادورو من خلال دعم زعيم المعارضة خوان غوايدو. وكان بيتانكورت ممولًا رئيسيًا لنشاط غوايدو المعارض، وفقًا لمسؤولي إدارة ترامب وسيل، محامي بيتانكورت.وينفي سيل تورط بيتانكورت في أي صفقاتٍ محتملة كان جولياني يعرضها على مادورو في ذلك الوقت.ولم يُدلِ متحدثٌ باسم جولياني بأي تعليقٍ فوري على هذا الخبر.عملية تهريب الأموالفي 2018، كان بيتانكورت من بين 12 شخصًا متورطين فيما وصفته إدارة التحقيقات الأمنية الداخلية الأمريكية بعملية تهريب الأموال.وفي الإفادة، التي قُدّمت إلى المحكمة في ميامي، ذكر أحد عملاء إدارة التحقيقات الأمنية الداخلية أن العملية “كشفت عن مؤامرة دولية لغسل أموال شركة النفط الفنزويلية عبر ميامي والعديد من منظمات غسل الأموال الدولية واسعة النطاق. وبشكل أكثر تحديدًا، كشف التحقيق عن استخدام عقارات في ميامي ومخططات استثمارية وهمية متطورة لغسل مئات الملايين من الدولارات الأمريكية”.ويبدو دور بيتانكورت المزعوم محدودًا في وثائق المحكمة المُقدّمة في لوائح الاتهام ضد مجموعة من رجال الأعمال ومسؤولي شركة النفط الفنزويلية السابقين المتورطين المزعومين.ولم يُذكر اسمه في الوثائق، لكن أشخاصًا مُطّلعين على الأمر أخبروا CNN أنه مُدرج كمتآمر في معاملة واحدة على الأقل كانت جزءًا من التهم الموجهة إليه.وأقرّ روبيو بأن المشاكل القانونية التي يواجهها بيتانكورت تُثير مشاكل تتعلق بالصورة العامة لكنه دافع عن انتماء بيتانكورت الحقيقي للمعارضة.وفي مقابلته هذا الأسبوع مع برنامج “Al Dia con Sergio Novelli”، قال روبيو إنه خلال ولاية ترامب الأولى “كان هذا الشخص وقع في موقف حرج للغاية مع مادورو، إذ اتضح أنه كان يدعم عناصر من المعارضة في ذلك الوقت، الأمر الذي تسبب له بمشاكل مع الرئيس الفنزويلي وقتها”.وأضاف: “لكن لدينا الآن فرصة للقيام بشيء أعتقد أنه سيعود بالنفع على الجميع، وبالأخص على المدى البعيد، سيعود بالنفع على الشعب الفنزويلي”.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية





