
تحليل: لعنة “أغسطس الأسود” تطارد روسيا.. ماذا يواجه بوتين هذا الصيف؟العالمنشر الأحد، 23 اغسطس / آب 20268 min قراءةتحليل بقلم ناثان هودج من شبكة CNN.(CNN)– على مدى العقود القليلة الماضية، أصبح مصطلح “أغسطس الأسود”، أو “لعنة أغسطس”، بمثابة اختزال صحفي في روسيا للإشارة إلى الأزمات العاصفة التي يبدو أنها تقع دومًا في الأسابيع الأخيرة من فصل الصيف.يُشبه “أغسطس الأسود” في روسيا، من بعض النواحي، “موسم الترهات” في الصحافة البريطانية، وهو فترة الهدوء التي تسود أواخر الصيف، عندما تهيمن العناوين التافهة على الأخبار مع توقف البرلمان عن الانعقاد وقضاء أفراد العائلة المالكة عطلاتهم، أو إعلانهم عن عودتهم المفاجئة إلى البلاد. لكن الحكمة الشعبية الروسية أكثر تشاؤمًا؛ إذ يبدو أن استعراضًا للتاريخ الروسي الحديث يدعم الاعتقاد بأن أحداثًا مفصلية ومفاجئة تميل فعلًا إلى الوقوع في أغسطس.قبل خمسة وثلاثين عامًا، قاد مجموعة من الشيوعيين المتشددين محاولة انقلاب فاشلة ضد الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، ما أطلق قوى التفكك التي أدت في نهاية المطاف إلى انهيار الاتحاد السوفيتي. وفي أغسطس/آب 1998، ضربت روسيا أزمة مالية تسببت في تخلفها عن سداد ديونها المحلية وانهيار الروبل. وبعد عام واحد، قادت مجموعة من المسلحين توغلًا في جمهورية داغستان الواقعة جنوبي روسيا، ما أشعل شرارة الحرب الشيشانية الثانية، وهي الحرب التي دفعت مسؤولًا سياسيًا غير معروف آنذاك، وضابطًا سابقًا في جهاز الاستخبارات السوفيتية “كي جي بي” يُدعى فلاديمير بوتين، إلى أعلى دوائر السلطة.أصبح بوتين زعيمًا لروسيا في ليلة رأس السنة عام 1999، بعد تسليم مفاجئ للسلطة من الرئيس بوريس يلتسين. لكن الزعيم الجديد، الذي عُرف بصورة الرجل القوي، لم يكن بمنأى هو الآخر عن “لعنة أغسطس”. فقد تمثلت إحدى أولى الاختبارات الكبرى له في منصبه في غرق الغواصة النووية “كورسك”، التي لقي 118 بحارًا كانوا على متنها حتفهم. وفي أغسطس/آب 2008، خاضت روسيا حربًا مع جورجيا المجاورة، لتظهر بذلك الوجه العدواني الجديد للسياسة الخارجية في عهد بوتين.ويبدو أن الصيف الحالي في روسيا يتجه أيضًا إلى أن يكون موسمًا قاتمًا بالنسبة إلى روسيا بوتين. فقد كان التقدم الذي أحرزته القوات الروسية على خطوط التماس المتنازع عليها في أوكرانيا محدودًا، فيما اسودّت سماء المدن الروسية جراء الهجمات الأوكرانية التي استهدفت مصافي النفط ومراكز توزيع شبيهة بمراكز توزيع شركة أمازون. كما أدت طوابير الانتظار الطويلة أمام محطات الوقود والشائعات حول موجة جديدة من التعبئة العسكرية إلى تذمر الروس.هل هذا “أغسطس أسود” آخر؟نشر المدون الروسي إيليا فارلاموف، المقيم خارج البلاد، أفكاره بشأن هذا السؤال هذا الأسبوع، قائلًا إن تكرار الكوارث التاريخية في أغسطس “مجرد مصادفة، بالطبع”.لكن فارلاموف تابع قائلًا إن “الكثير من الروس ينتظرون أغسطس بقلق، ولا سيما الآن، في وقت تمر فيه البلاد بأزمة حقيقية… لقد عادت أزمة الوقود، والأسعار ترتفع ولا تبدو لديها أي نية للتوقف، والروبل يتراجع، والانتخابات على الأبواب، والله أعلم ماذا سيحدث أيضًا”.وأشار فارلاموف أيضًا إلى تصريحات نُشرت مؤخرًا على لسان أحد كبار الاقتصاديين الروس، حذّر فيها من أن موسكو تواجه “أزمة اجتماعية”، وأنها “تخسر المنافسة التكنولوجية والاقتصادية على المستوى العالمي”، وأنها لن تنتصر في حرب استنزاف تخوضها ضد أوكرانيا المدعومة من الغرب.حتى صحيفة “موسكوفسكي كومسوموليتس” الشعبية الموالية للكرملين أشارت إلى المخاوف التقليدية المرتبطة بشهر أغسطس في روسيا، لكنها لجأت إلى علم التنجيم بحثًا عن إجابات. وجاء في مقال للصحيفة: “من المقرر أن يحدث خسوف للقمر هذا الشهر، ورغم أنه ليس الأضخم، فإنه سيحدث في مقابل بلوتو – الكوكب المرتبط بالكوارث”.وأضاف المقال: “قد يؤدي ذلك إلى تحولات اجتماعية وتغيرات سياسية في العلاقات مع الدول المجاورة، واضطرابات داخلية. كما قد تزداد حوادث السير، وارتفاع مستويات القلق، وحالات الانهيار – بما في ذلك الاضطرابات العصبية”.
لكن وسط هذه التكهنات المقلقة، حافظ بوتين على هالته المعتادة من الثقة.وفي تصريحات أدلى بها، الأربعاء، بشأن مشروعات البنية التحتية والتنمية، أقرّ الزعيم الروسي بالأضرار الاقتصادية التي تسببت فيها الضربات الأوكرانية على مستودعات شركة التجارة الإلكترونية العملاقة “وايلد بيرييز”، من دون أن يذكر اسم الشركة، لكنه قلل من آثارها على المدى الطويل.وقال: “من البديهي أن هذه الهجمات لن تُحدث، ولن تتسبب، ولن تؤدي إلى أي عواقب وخيمة. صحيح أنها تُسبب ضررًا، وهذا أمر واضح وجلي، ونحن ندرك ذلك ونراه ونعيه”.وأكد الرئيس الروسي أن منشآت الخدمات اللوجستية تلك سيُعاد بناؤها بدعم من الحكومة. لكن الحرب في أوكرانيا باتت تؤثر بشكل مباشر على حياة العديد من الروس، وتُلحق بهم خسائر مالية فادحة.وتعاني أوكرانيا أيضًا من أزمة داخلية في ظل الحرب. ففي وقت سابق من هذا الأسبوع، دعا وزير الدفاع المُقال حديثًا، ميخايلو فيدوروف، إلى إجراء انتخابات في زمن الحرب، مشكلًا بذلك تحديًا سياسيًا جديدًا للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.وبغض الطرف عن مدى وجاهة حجج فيدوروف، فإن خطوته قد توفر لبوتين ورقة سياسية جديدة، بعدما شكك علنًا ومرارًا في شرعية زيلينسكي كرئيس.وهنا يكمن التناقض.كان من المتوقع في الأصل أن تنتهي ولاية زيلينسكي التي تستمر خمس سنوات في عام 2024، لكن الانتخابات تأجلت بموجب الأحكام العرفية التي فُرضت عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022. وتُظهر التغييرات الحكومية في كييف، فضلًا عن الاحتجاجات الكبيرة المناهضة للحكومة، أن المجتمع المدني والعمليات الديمقراطية لا تزال حية ونشطة في أوكرانيا.ولا يمكن قول الشيء نفسه تقريبًا عن روسيا. فقد أدانت محكمة في ذلك البلد، الاثنين، السياسي المعارض ليف شلوسبرغ بالسجن 11 عامًا بسبب معارضته الحرب في أوكرانيا. كما منعت المحكمة العليا الروسية حزب شلوسبرغ، “يابلوكو”، من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة.وبذلك، جرى فعليًا خنق المعارضة السياسية الداخلية في روسيا منذ أن شن بوتين حربه على أوكرانيا. وكما كان الكاتب الأمريكي إرنست همنغواي ليلاحظ بالتأكيد، فإن قمع المجتمع المدني يبدو أنه حدث ببطء، ثم دفعة واحدة، مع وفاة قائد المعارضة المسجون أليكسي نافالني في فبراير/شباط 2024. كما بدأت رحلة نافالني القاتلة إلى مستعمرة عقابية في القطب الشمالي في أحد أيام أغسطس عام 2020، عندما أصيب بوعكة بسبب تسميمه بغاز أعصاب أثناء رحلة عودته بالطائرة إلى موسكو من سيبيريا.سواء كان الأمر مصادفة أم لا، فقد كان شهر أغسطس دومًا شهرًا قاسيًا على روسيا.
المصدر: شبكة سي ان ان عربية





